16 Dec 2018

طعم البعاد صبّار


"ده أنا ليا فيها النيل

وليها فيا الروح
ما أختارتش إني أروح
ما أنا جوعي كان كفران
ملعون أبوك يا طموح
آخرك تشوف لي كفيل
لكني مش قلقان."
.
اختارت الأغنية دي بالذات إنها تطلع بصوت عالي مجلجل من ركنة بيع طرح وإيشاربات والباندانات السوري الجديدة اللي بتقفش على الراس قفش عشان ولا شعرة تهرب من تحتيها. باتمشى في أمان الله مصممة تمامًا على إني أستمتع بوقتي وأتجاهل كل اللي ممكن يضايقني، اللي اكتشفت بعدها إنه وحش عملاق من استديو جيبلي ومعنديش قوى سحرية للتغلب عليه. ماشية زي القطر وبسرعة والشارع زحمة فاضطريت أقف ثانيتين زيادة عشان الست اللي قدامي تعدّي، سمعت الأغنية.

.

"طعم البعاد صبار

والغربة ليل بهتان

يا قلبي يا موجوع

إياك تكون قلقان

أنا مش في بلدي عويل

لكني مش باتشاف

زهرة سنيني عجاف

مع إن ليا عزيز..

أفتوني في رؤياي

لمّوا الأماني إزاي؟"

.

الصدفة خليت الست وبناتها التلاتة يعدوا ببطء، وأقف على جنب تمامًا، والبياع، المراهق اللي مكملش 20 تقريبًا، واقف سارح مش بينادي على بضاعته عكس اللي حواليه، والغضب على وشه. الأغنية مطلعتش لوحدها، ده مش راديو ولا تلفزيون متشغل بلا وعي بيطلع منه حاجات محدش بيركز معاها ولا بيفهمها، ده حد حاططها، وأنا حاسة إني قلت الكلام ده قبل كده.

.

"أحلامي صبحت بور

ممنوع عليها الضي

لكني مش قلقان.

(...)

يا حضن ما بيساعني

واحتجت له باعني

ساعة ما مد إيديه

شاور وودعني

لكني مش قلقان."

.

بقالي يمكن شهر باعيد اكتشاف الدنيا والناس من حواليا، لظروف حقيقية جدًا وواقعية جدًا وشديدة التخيل، يعني باشوف الناس والحاجات والعلاقات بين كل ده بعيون جديدة كإني نازلة من كوكب آخر –اعذروا ابتذال تشبيهاتي- وفي نفس الوقت باقول إنها مش ممكن تبقى بالقبح ده، فا باتخيل حاجات ووحوش عملاقة يمكن التغلب عليها، في بعض الأوقات، بنفخة، تقوم تطلع فقاقيع الصابون الملونة تفرقع فيها فا تختفي.

لكن في إعادة الاكتشاف لاقيت إن فيه ناس كتيرة، كتيرة أوي أوي يعني، مش متشافين ولا معروف عنهم حاجة. أنا معرفش عنهم حاجة؟ لأ عارفة لأنهم شبهي جدًا رغم اختلافاتنا، بس مكنتش أعرف إنهم كتير.

الشاب الصغير بائع الطرح قرر إنه يشغل أغنية ممكن ببساطة يتحبس عليها، باشتري صدف وقواقع من عند القلعة فسألت، عَرَضًا، البائع عن "السور الأزرق الحديدي اللي وراه واللي حاجب البحر" فضحك وقال إن الجيش بيعمل كوبري جديد جوه البحر، ولما لاحظ إني مفهمتش ضحك أكتر وقال لي "مش لاقي حاجة يشغل بيها وقته."

باتكلم مع أ. علاء خالد –آه كنت محظوظة فشخ إني أقابله :))))- فجات سيرة الهزيمة والثورة. اتكلمنا كتير، كنا قاعدين في قهوة محاطين بناس كتير، فيه ناس ورايا وجنبه ووراه، لازقين جدًا فينا، متأكدة إنهم سامعين كل كلمة بنقولها، ورغم ذلك مبانش على أ. علاء إنه خايف. سألني إن كنت باقرأ لحد من جيلي كتب عن الثورة، قلت له إني مش فاكرة خالص، بصدق والله، فسأل باهتمام ليه مش بافتكر، لكن ده حديث آخر.

قلت له حتى لو معرفش، لكن أكيد فيه حد كتب عنها. أكيد آلاف التفاصيل اللي أنا –فخورة فشخ- وغيري عاشها، قدي وأصغر مني وأكبر، عاشها واتدعك فيها، مش ح تروح هدر. الجواكيت اللي كنا بنبدلها بين بعضنا بعد ما اكتشفنا إن قضاء الليل في الشارع أبرد من قلب كافر، والفلوس القليلة اللي كنا بنجيب بيها أكل للناس اللي قاعدة ومناكلش منه ونروّح، الماسكات اللي كنا متلهفين عليها وبعد كده اكتشفنا إنها أتفه من الورق، الخناقات مين صح ومين ح يضيعنا كلنا، القهاوي اللي كنا بنشرب عليها السحلب والشاي والكاكاو في الشتا والكركديه والعناب في الصيف، بالجارسونات الصموتين، وأول ناس باعونا –مش كلهم-، النكت واستكشاف النفس والآخرين والأفكار وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والنظريات والآمال والطموح –ملعون أبوه- ثم النزول على فاشوش..

كل ده لازم يتكتب. التفاصيل الصغيرة أوي أوي واللي قد تبدو تافهة جدًا زي انكسار الشمس في عينين ولد لحظة غروبها وبعد الغروب مباشرة اتهرينا ضرب، لمعة المطر حوالين عواميد النور قبل ما تتطفي، أغنية بنسمعها هروبًا من نفسنا وظروفنا فراحت الظروف وفضلت الأغنية، الغمازات اللي ما بتظهرش إلا عند الضحك بقوة وبالتالي هي نادرة جدًا.. كل ده لازم يتكتب. من غيرها "الحدث الكبير جدًا" ح يظهر مفرّغ جدًا ويمكن تافه كمان، ومثير للغضب أو السخرية. من غير التشابك الإنساني لدرجة السيحان على بعض، والعلاقات اللي طلعنا بيها وفضلت مستمرة لأنها قوية جدًا، ح يبان كإنه بالونة كبيرة ملهاش أي معنى، وكويس إنها فرقعت.

كل ده لازم يتكتب.

.

"لو طالت المسافات

أنا والأمل إخوات

وتالتنا كان الليل."

.

حاليًا باسأل نفسي بقوة وبلا هوادة لدرجة الإرهاق: أنا باعمل إيه هنا؟ أنا حياتي عبارة عن إيه؟ أنا باكتب ليه؟ وح أكتب أساسًا تاني ولا لأ؟ وليه؟ يعني أنا مين؟ وكتاباتي كلها كئيبة وبتوجع كده ليه؟

يمكن مقدرتش لغاية دلوقتي أتخلص من الخوف لحد كبير، باحاول أدخل مكتبة إسكندرية لقيتها متحوطة بحواجز ثم فيه مدرعة جنب بوابة الدخول الصغيرة فشخ، اسأل نفسي "هما احتلوا المكتبة؟" ثم ألاقي بعدها مباشرة رتبتين معديين من جنبي فأحيّد أفكاري تمامًا "أصلهم بيعرفوا يقروا الأفكار." ساكنة جنب فندق جديد للقوات المسلحة مليان مطاعم وكافيهات، طول الليل سارينة الشرطة شغالة عشان "افتح الطريق افتح الطريق".. طب الرعب ده كله لمجرد إنكو تخلوا العربيات ما تركنش صف تاني قدام المطعم؟ رتبة تتخانق مع سايس الحصان جنب القلعة، الرتبة تمشي والسايس يبرطم بكلام كتير جدًا مسموع ومفهوم: غاضب. من جوايا خايفة فشخ إني أكتب الكلام ده، أنشر الكلام ده، ح أتلاقى والسجن تجربة مش محببة أوي.

أخرج مع صاحبي فا نتكلم ونقلش جامد ونضحك على آخرنا. أفكر إني أنفع أكتب سكريبت كوميدي، يلحقني على طول "شادي أبو زيد لسه محبوس" فأتغمّ جدًا. أفكر أخرج مع حد تاني يمكن ما يغمنيش كده، وبعدين أفتكر إن مفيش! على الأقل معاه لسه بنعرف نطلع الضحكة من قلب أحشاء الوحش اللي عايش حوالينا وماشي جنبنا في كل حتة، وهي أحشاء قذرة ولزجة بس بنعرف نتجاهلها ونبعد عنها، ويمكن نطلع وصفات لطبخها لو نجحنا واصطدناه وتغلبنا عليه.

الأسبوع اللي فات أتخانق مع نفسي وأعافر جدًا إني أنزل وأروح ندوة د. هشام سلّام عن الديناصور اللي اكتشفوه. بعد خناقة مع الدقي كلها وصلت، وفي آخر الندوة دكتور من جامعة كولومبيا بيسأله بإنجليزية صعبة جدًا "حصلت على تصريح إزاي؟" يتهرب د. هشام من الإجابة باستظراف في الأول بعد كده بيجاوب بجدّ. يسأله الأمريكي "طب والجيش؟" يسكت د. هشام لمدة أطول، القاعة كلها تشعر بالحرج وأتمنى لو الأرض تنشق وتبلعني. الدكتور الأمريكي عجوز جدًا: شعر أبيض وجلد مجعد وأصابع بتحارب الروماتيزم وقاعة محنية، لكن صوته قوي، والأهم: غاضب. في قلب القاعة ألاقي د. ليلى سويف فأسلم عليها وتقول لي بابتسامة "وشّك مألوف" فأنبسط بشكل يفوق كل توقعاتي.

يسألني أ. علاء عن الصدفة اللي خليتني أسمع الأغنية من محل الإيشاربات الصغير: "ح تعملي بيها إيه؟" قلت له الصدف بتخوفني جدًا لأنها بتقول لي آخد أكشن، أعمل أي حاجة، وأنا معرفش إيه الفِعل المناسب ليها: أيوة أعمل أنا إيه دلوقتي؟ فيضحك ويقول لي إنها اتزرعت جوة دماغي، وأكيد ح آخد الفِعل ده في وقت ما، أنا لسه معرفوش.

.

أنا معرفش أنا باكتب الكلام ده ليه.

16-12-2018
....

https://soundcloud.com/ahmed-m-mostafa-1/nb0muxay97ff

10 Dec 2018

يعني إيه شغف؟



تستأذن إحدى السيدات في أن تطرح سؤالًا تصفه بأنه غير علمي، ثم تقول بلهجة مترددة : "حضرتك كنت قلت إنك لاقيت الشغف في عيون البنات دولت وراهنت إنهم ح يمشوا بعد شهرين تلاتة، بس فضلوا مكملين لحد الآخر. جابوا الشغف ده منين؟"

يجيبها د. هشام سلّام، رئيس البعثة العلمية التي واظبت على الحفر والتنقيب إلى أن وجدت الديناصور "المنصوراصورس" بأن الشغف موجود عند "ناس كتير جدًا، بس محدش بيوظفه صح. فيه بنات كتير جدًا عندهم نفس الشغف وأكتر بس ملاقوش حد يسمع لهم" يشير لنفسه، بأنه المتشكك في قدراتهن منذ البداية، قد أبهرنه بالنتائج التي حققنها، وبفخره العظيم جدًا، حينما طلب "دكتور، قامة علمية كبيرة جدًا في المجال ده" بأن يتصور معهن هن فقط، في أثناء المؤتمر لإعلان نتائج البحث وتسلم الجوائز.
.
أسرح في السؤال.

ما شغفي؟ ما الذي أريد تحقيقه؟

أتذكر ما قاله لي صديقي شادي في الأسبوع قبل الماضي، عندما شكوت له، وأنا التي أحاول استعادة ذاكرتي حديثًا وإعادة التعرف على الحياة والأشياء والأشخاص، من دهشتي وضيقي بأن الحياة ضيقة جدًا عند الناس المحيطين بي في تلك الفترة، وهم أهلي  بطبيعة الحال، وبأنهم مهما سافروا أو رأوا من أفلام أو احتكوا في أعمالهم ببني آدمين آخرين، لا يتعلمون جديدًا، يزدادون عنصرية وضيق أفق، وكل شيء مغلف بطبقة باردة من السخرية، على كل شيء وكل شخص، وعلى بعضنا البعض. قلت له إنهم لا يحلمون بالتجديد، وبأنني متضايقة جدًا من هذا.

انتظرني شادي حتى انتهيت من وصفي لهذا الملل كله، ثم قال إن هذا "معتاد جدًا" لدرجة الطبيعية والعادية. قال إنه في عمله القديم، رأى هذا النمط بمعدل تكرار يكاد يتحول لقانون: "يشتغلوا يعملوا قرشين يحوّشوا يشتروا عربية فيات يتعلموا عليها بعد كده فيرنا ولو ربنا فتح عليهم أوي يجيبوا فور باي فور. المصيف يا في جمصة يا راس البر، العيال تبلبط شوية وهو أسبوع واحد في السنة وخلصت. العيال تخلص مدارس وكليات وتتجوز ويبقوا أدوا رسالتهم في الحياة. بيحاولوا يهربوا من البيت وعيشة المتجوزين بعد خمس سنين بالضبط من الجواز. بيفقدوا الشغف -استخدم هذا اللفظ تحديدًا- ومفيش عندهم مفهوم المتعة، إني أعمل حاجة عشان بتبسطني. مرة زلّ لساني وقلت إني رحت المكان الفلاني -خارج جمصة وراس البر طبعًا- بصوا لي على إني العيل العبيط اللي بيضيع فلوسه في كلام فاضي، رغم إن الرحلة ما كلفتش 50 جنيه على بعضها. حياتهم بتقف عند التلاتين، عند 30 سنة بالضبط من عمرهم، بيبقى انتهى."
.
ما زلت أحاول التعامل مع حقيقة أن "حازم مشي"، ولا أستطيع. يعني إيه؟ لا أفهم ولا يمكنني التعامل.
.
يطردني أخي الصغير من غرفته التي أضع بها مكتبي، كل يوم في العاشرة أو الحادية عشرة ليلًا، بحجة أنه يريد النوم. يتحادث همسًا -يسمعه من في البيت كله، يا سبحان الله- ويضحك خافت، لساعات الصباح الأولى التي يصادف أنني أسهرها. أتساءل بيني وبين نفسي: كل أولاد هذه العائلة -إخوتي الذكور- تزوجوا أو في طريقهم لذلك، وأنتِ وأختك ليس بعد، هل أنتِ حزينة؟

سألت نفسي السؤال ذاته في الأيام القليلة التالية لانتهاء علاجي الجديد من الاكتئاب، في أثناء محاولاتي للتوازن حرفيًا ومجازيًا، ومحاولات استعادة الذاكرة -ينصحني أصدقائي بإنه "افتكري إننا قلنالك ما بلاش". أسأل هل أنا متزوجة أم لا، ولماذا أعيش في بيت أمي؟

عندما أتذكر، تعود إليّ الإجابة: طرحتها على نفسي قبل أسبوعين فقط من بدء العلاج، عندما لاحظت فجأة أن أغلب قريناتي، مَن هم في مثل سني وأصغر، اللاتي عرفتهن من قبل، قد تزوجن وأكثر من 90% منهن أنجبن. إنتي زعلانة إنك لسه ما اتجوزتيش يا روز؟

لأ.

كنت أقف في حمّام مستشفى الجنزوري، أحاول استعادة آدميتي وسكب نصف زجاجة البارفان على بلوزتي المنقوعة في العرق، قبل أن تصل د. إيمان صديقتي الجميلة جدًا، للكشف ومطالعة الأشعة. أواجهني في المرآة وأسأل: زعلانة؟

لا.

لو كنت تزوجت من قبل، وحتمًا أنجبت، كانت حياتي ستختلف كثيرًا جدًا جدًا. لم أكن لأجد وقتًا لاستكشاف نفسي، ولم أكن لأشارك في الثورة -اتفقنا أنا وحازم رحمه الله أن الثورة خزوقتنا كلنا لكنها مهمة جدًا، لم يكن منها مفرّ- وبالتالي تزيد معرفتي بنفسي والعالم والناس -أتذكر في تدوينة سابقة أنني كتبت "لولا الثورة لأصبحت شخص بضان جدًا لا يكترث لعذابات الآخرين وتعاساتهم لمجرد أنه لم يعشها"- وأصبحت أكثر رحمة. أقول "رحمة" لأنني أعرف تمامًا طريقة تفكيري الآن. كل المرّات التي فضّلت فيها الآخرين، أصدقائي وأناس لا أعرفهم، على نفسي، لحظات التهور بنت الكلب التي كادت تضيع حياتي أو عيني أو أي شيء آخر عزيز جدًا، وأنقذتني منها ذراع تدفعني أو تسحبني أو صديق يضعني في تاكسي ويزعق بأن أذهب للبيت حالًا. لست أحسن ولا أفضل من أحد، فعلت فقط ما أملاه عليّ ضميري ساعتها.

في النقاشات التي أتجنب بجهد دؤوب الخوض فيها مع أغلب أفراد العائلة الممتدة، أجد الأخدود العظيم: فراغ وضيق أفق وعنصرية وجهل، الكثير جدًا من العوم في مية البطيخ، والعنطزة الفارغة. صرت لا أجلس معهم، ولا أعرف كيف هي الحياة مع عائلة داعمة مدفئة، وأشتاقها جدًا.

لكن في تلك الجلسات أرى نسختي الحالية وأقارنها مع "ما كنت لأصير عليه" بحساب التطور الطبيعي للأيام والأشخاص والزواج والخلفة والعمل في الخليج والتجهم الدائم وهجر الاستمتاع والانبساط، وممارسة العنف مع الأبناء. أقارن وأحمد الله كثيرًا على تهوّري، منذ 8 سنوات.
.
لكن الأهم من هذا كله، وما زلت أجيب نفسي عن "زعلانة إنك لسه ما اتجوزتيش؟" رحلتي مع الاكتئاب.

ما كنت لأخوضها أصلًا أو أندفع لحلّها بذلك الحماس -على قد طاقتي، طبعًا- وأسقط وأنهض ثانية، بفضل ربنا وبمساعدة الطبيب وأصدقائي الرائعين جدًا، ولأنني مؤمنة بنفسي جدًا جدًا. ربما هذا هو الشغف الذي يحرّك حياتي حاليًا.
.
لكن، يكفي حديثًا مقبضًا. هذه التدوينة أصبحت تعسة بشكل أثار استيائي.
.
اليوم صباحًا أدفع نفسي دفعًا للنهوض من الفراش. يسألني الطبيب عندما حكيت له عن سوء المزاج الصباحي "بتعملي إيه عشان تخلصي منه؟" فأجبته بأنني لا أعرف، وإن كنت أحيانًا أخدع نفسي وأضحك عليها كطفلة وأحمسها بأننا "ح نعمل بان كيك ونشوف فيلم حلو" فيضحك الطبيب ويخبرني بأن جسمي وعقلي يعرفان الإجابة بالفعل، ويخدعاني أنا. مالها الأفلام الحلوة؟ اللهم كتّر منها.

بعدما تناولت قهوتي -كلما وجدت لبنًا جيدًا في المنزل أستغل الفرصة وأصنع بان كيك ونيسكافيه بالرغوة- وانعدل ضغطي ومزاجي، راجعت في ذهني جدول اليوم فتذكرت فجأة ميعاد المحاضرة في الدقي، مساءً. اندفعت في محاولة للترتيب: ح أطلع الغسيل وأنشره وأوضب سريري وما أنساش آخد الدوا إلخ إلخ. لا يوجد كثير وقت، ومواجهة وحوش كوكب أرغوران أهون من مواجهة كوبري أكتوبر في ميعاد خروج الموظفين، وانخفاض الضغط شيء مقزز تمامًا، لكني ذكّرت نفسي بأنني أردت مقابلة د. هشام وعضوات فريق البحث -وكلهن بنات- منذ الإعلان عن اكتشاف الديناصور، وأنني أتمنى لو تسمح لي ظروفي بزيارة المنصورة والمشاركة في إحدى رحلات التنقيب -مرحبًا بالرمل داخل شعبي الهوائية المصابة بحساسية مزمنة، اتفضل اتفضل خش برجلك اليمين- وأن هذه أول مرة يلقون فيها محاضرة في القاهرة، وإن عيب يعني الراجل جاي من المنصورة وأنا مش عايزة أسافر من مصر الجديدة للدقي؟ عيب والله، فكويت ثيابي واستعديت للنزول.

أمام المرآة، أطرح جانبًا السؤال الذي انتويت عرضه بلهجة مازحة "هو فين بقية الديناصورات من القطيع بتاعه؟ ولا هو كان وحيد؟" وقلت لنفسي إنني لست على هذه الدرجة من السخافة يرحمني ويرحمكم الله. أضبط الطرحة وأقول:

"أنا مبسوطة جدًا من الدكتورات عضوات فريق البحث لدرجة عظيمة، إنهم فضلوا ورا حلمهم لحد ما حققوه. طول الوقت بتوع التنمية البشرية زهقونا بإن "اتبع حلمك خليك ورا حلمك" لحد ما ابتذلوا المفهوم نفسه "أتبعه منين يعني؟" بس هما ما سألوش أو اتريقوا، هما مشيوا وراه فعلًا لحد ما جابوه وعرضوه في أكبر مجلة علمية مكانة في العالم كله. يمكن الكلام يبان ملزق وتشيزي، بس هما ملهمات جدًا جدًا لدرجة ما يتخيلوهاش. أنا ممتنة ليهم للأبد."
.
لم يتسن لي الوقت كي أقول هذا في المحاضرة، فقررت كتابته هنا.
.
أعتذر لو التدوينة مشتتة نوعًا ما، ما زلت أجاهد مع التركيز.

روز
القاهرة، في 10-12-2018

17 Nov 2018

1



This world is typically: weary.

It has fewer things to amaze you. I woke up this morning with a memory of the 11-year-old me, and it took me considerable time to gain the whole aspect of “the 20 years between them.” How did I reach here? When this all happened? When did I finish exams, graduate, find work, if I do? Why am I not married? Why I still live at my parents’? I had a lovely home.. Where did it go? Was it really that noisy there? Couldn’t I really keep it?

Where is “home” exactly? Why I feel that overwhelmed and so lost? and why I live here if this is not my home?

Then I started to remember: My Abha years, my first house/flat that I lost, my work. But I failed to remember a lot about myself.

What I seem to grasp firmly is “the fight or flight skills”: My brother got ill, so I nursed him till mother came back. I made breakfast, took my medicine -and admired the simple system I put to distinguish the night medications from the morning ones- put my clothes in the washing machine and watched “Downton Abbey”. I needed something very familiar to lean on. Every time I checked Facebook or the TV, I find horrible things happening, very disturbed images and words written. I’m terrified.

.

I still can’t figure out how to deal with this world. Being “newly born” in a grownup body is so devilishly exhausting and dull. But I’m trying. At least, I know how to manage my feelings. Years of experience are finally yielding fruit. I must be congratulated for that.

I’m not sad, nor very much afraid. I just feel alone, so alone that I can’t bear it.

I can’t seem to remember the boy I love. Pity.

I’ll see the psychiatrist tomorrow, we’ll discuss things thoroughly.

.

For those who knew from the beginning: I’ll be fine.

For those who didn’t: I can’t explain now, just pray for me :)

I’ll be fine :))

Sat.

17-11-2018

8 Nov 2018

فواصل مريعة، وأمل بالقادم من الأيام

أحادث أمس صديقي: أنا خائفة، خائفة جدًا. يردّ "طبيعي إنك تخافي وتقولي لا مش ح أعمل كده، وفي الآخر تعمليها، أو ما تعمليهاش وتقعدي تتساءلي طول الوقت "طب مش كنت مشيت الطريق لآخره؟" وتقرري بعد كده تاخدي الخطوة دي، أو تفضلي تشتكي وتسبّي للعالم."

أبتسم قليلًا، أقول في داخلي إنه يعرفني فعلًا: لن تخرج أفعالي غالبًا عن هذين الخيارين. ينطلق بعدها في الرغي حتى أطمئن. أحكي له عن شيء كتبته فيضحك، ثم استأذنه في النوم. يجعلني الاطمئنان أنام، يجعلني أستريح.

قلت لنفسي أمس إنه لا داعي للاتصال بأحد أو الحديث معهم، لكن صوتًا خافتًا عارضني، أخبرني -وهو يلعب في خيوط طرف السجادة- بأنني لو ذهبت للنوم وكل هذه المشاعر السيئة بداخلي، سأصاب بالكوابيس وأستيقظ مرهقة جدًا، لن أستريح. سمعت كلامه ورجوته أن يترك السجادة لأنها نحلت، واتصلت بذلك الصديق.

صحيح أنني أصبت بكابوس سخيف جدًا -تدّخلت في منتصفه لتعديل السيناريو، أيقظني جزء من عقلي "اصحي يا رزان ده كابوس!" فعدّلت أحداثه وأكملت النوم- لكن هذا بسبب الإثقال في الأكل قبل النوم مباشرة، خاصة وأن معدتي لا تهضم جيدًا وتعلن العصيان. لكن بعدما أفقت، تذكرت محادثة البارحة وابتسمت. رحت في نوم آخر، عميق ومريح، ومليء بالوسائد التي أستعين بها كنوع من الترضية للجسد المرهق، المعترض.

-أنام وحولي 4 وسائد بالمناسبة، وأستيقظ وكلها في الأرض، كأن حربًا قامت عليها، وأشخّر بصوت عالٍ جدًا، وأتقلب وأنزع الملاءة وأسقط زجاجة الماء من فوق الكومودينو.. لأ مريح مريح جدًا يعني!-

لكن، في الجزء الأخير من النوم، جاءتني رؤى.

صار لي زمن لا أعرف تحديده، تزورني الرؤى. أمس أحلم بأنني ذهبت لتنظيف شقة منى لأنها عائدة في إجازة، ووضعت لها في الثلاجة جبنًا وطماطم وزيتونًا وخبزًا، وعندما توجّهت للإفطار ولمّا أفق بعد، صنعت لابنتها، مريم، ساندويتش "جبنة صفرا" ونصحتني منى ألا أترك أمامها برطمان الزيتون لأنها مجنونة به، كل هذا وأنا أحشر لقيمات العجّة في فمي وأضع عليها -بلا وعي- الشطة التي نهاني عنها الطبيب. بعدها بقليل فتحت الموبايل لأجد تسجيلين من منى! يا سبحان الله.

اليوم كنت أتخيل إنني أحادث صديقي وأضع خططًا للمقالات واعتذارًا عن عزومة عائلية. في المحادثة، حكيت له عن عامين من حياتي، صار لهما فترة يترددان على ذاكرتي المعطوبة أساسًا، ثم أستيقظ وأقرر الكتابة عنهما، هنا.

.

يا صديقي اسمعني أرجوك.

في 2012 قررت أمي السفر للعمل بالسعودية. كانت الظروف صعبة وأرادت الحصول على فرص جديدة لنا ولها. أخذت تلحّ عليّ بالسفر معها لأرافقها، فرفضت. كنت أعمل وقتها، ولي أخوان في الكلّية والثالث متزوج، وأختي الكبرى تعمل. لماذا لا تأخذ أختي؟ تقول لي إنها صعبة في التعامل و"مش حنيّنة زيك". لو كنت أعرف أكثر، لقلت لها إن هذا ليس ذنبي: هذا نتاج تربيتها، ومش أنا اللي ألمّ الغلّة لأني مزرعتش.

عملت وقتها بدوام كلّي، عمل لا أحبه ولا أستطيع التركيز فيه. كنت مصابة حديثًا باضطراب كرب ما بعد الصدمة، وكان حادًا ولاسعًا ومنيلًا بنيلة. عانيت من كل أعراضه حتى غير المشهور منها، كل كلمة ذكروها في المواقع التي قرأتها، عانيت منها قبل قراءتي عنها! أمراضي عجيبة وتطبق ما جاء في كتب الطب بالملّي!

لكن عملي وفّر لي ترتيبًا معيّنا يتبعه يومي، بدل الفزع العظيم بأن "كل هذا الوقت أمامي ولا أجد فيه شيئًا لأفعله؟ حتمًا سيحدث لي شيء خطر جدًا ومؤلم." وجاءني بمرّتب ضئيل أينعم، لكنه كان يكفيني لثلاثة أسابيع من الشهر، المعجزة العصية على التحقيق في هذا الزمن. مع تلك الكفاية حققت نوعًا من الاستقلال المادي، الأمر الذي لم أجرّبه من قبل.

لم أرد ترك كل هذا والسفر للمجهول. كيف سأعثر على عمل في منطقة منسية من الزمن؟ إضافة لرغبة ضعيفة في المقاومة: لماذا أنا؟ أترك عملي أنا، وحياتي وأصدقائي وكل ما أعرفه، لأذهب في سفرية لا أعرف عنها شيئًا ولا يوجد لي معين ولا صديق، هناك؟

بعدها بعدة شهور حدث شيء بشع جدًا، في عُمر هذا البلد. ولمّا كانت أمي جديدة في مسألة الإنترنت والفيس بوك، ولديها أصدقاء مثلها لا يعرفون كيف يحمون أنفسهم، فقد رأت الصور. صورًا كثيرة أفزعتها، فأرسلت لي إنها متألمة جدًا، ولا تستطيع البقاء وحدها، وتريدني أن آتي حالًا.

سبحان الله: "حالًا" تلك حدثت في شهر. في 30 يومًا تركت عملي ووضبّت أمتعتي واشتريت حقائب جديدة بعجلات، واشترى لي أخي الوسطاني لاب توب كي أعمل عليه، وكنت من قبل أستعمل كمبيوتر العائلة البي سي الضخم أبو سي بي يو تصدر مراوحه ضجيجًا يعادل طائرة تهبط، ودعوت أصدقائي كلهم للتجمع في حديقة الأزهر كنوع من حفل الوداع، وأخبرتهم بأنني أريد هدايا: أي شيء صغير خفيف الوزن أحشره في الحقيبة وأسافر به. قلت إنني سأشعر بالوحدة جدًا، اتركوا لي أشياء من رائحتكم.

أذكر وقتها أن ولدًا أسمر حضر قبل ميعاد الحفل لأن لديه عملًا في ذلك اليوم، وقال لي إنني شجاعة جدًا -الأمر الذي سيكرره كل أصدقائي بعدها- وأخذت لنا صورة طلب مني ألا أضعها على الفيس بوك لأنه لا يحب ذلك، ثم رحل. تقاطر بعدها كل الصِحاب: ما زلت مدينة بالفضل لدروس د. هبة رؤوف في جامع السلطان حسن، القريب من الحديقة، لأن أغلبهم كان يحضر لها، فلمّا انتهى الدرس لذلك اليوم جاؤوا جميعهم. كنا نحو 25 صديقًا وصديقة، أو أكثر ربما، وكانت تلك أكبر تجميعة تحدث لأجلي، في زمن طويل جدًا.

أحضر لي مصري رواية "الغابة النرويجية" لأنه يحبها كثيرًا، قال لي "يمكن ما تعجبكيش بس دي الرواية المفضلة عندي على الإطلاق، ولو ما حبيتيهاش أنا كاتب لك اقتباسات جوّة، دوّري عليها" فانبسطت جدًا والله. صنعت شوري كاب كيك أو كعك مكوّب لاحسن بتوع الترجمة يزعلوا، مرسوم عليه بالكريمة الزرقاء والوردية والبنفسجي، ونجوم وأشياء بتلمع بقا وآخر دلع، وكتبت  لي على كارت مرسوم عليه أرنب يقرأ "لا تحزني أبدًا، فلديكِ أصدقاء رائعون" بالإنجليزية. صنع لي عبد المحسن دي في دي عليه كل ألبومات عمرو دياب من ساعة ما قرر الغناء "من قلبه" إلى أن أصبح برتقاليًا يذهب لجيم واحد ويلعبون أغانيه في كل صالات الرياضة في مصر، رجالة وستات. جاءت ريهام قرب آخر الخروجة، تركض وتلهث ومتضايقة جدًا من تأخرها، وقالت إنها لم تجد الوقت لشراء هدية لي فطبعت لي مسوّدة كتابها "البنت اللي مليانة ديفوهات،" وأنا قلبي ارتعش جدًا لأنها تأتمنّي على شيء بكل تلك الأهمية. لا تعرف ريهام أنني، في تلك السفرية السخيفة فشخ، كنت أصطحب كتابها وتدويناتها على موبايلي لأقرأها مرارًا: كنت أنسى بمعدلات لا تُعقل، لكن هذا وفّر لي أوقاتًا أطول من الأمان مع تدويناتها الفاتنة <3 font="">
.
قالوا لي يومها إنني شجاعة جدًا، وأنا كنت حزينة أريد أن أخبرهم بأنني مسافرة غصب عني والله ولا أريد أساسًا التحرّك من هنا، من تلك الحديقة وكل هؤلاء الصِحاب الرائعين، لكني أحجمت. سافرت بعدها بخمسة أيام.

.

في تلك المدينة المنسية، في السعودية، هدأ كل شيء. حاولت أمي بمجرد وصولي أن تجد لي عملًا في المستشفى الذي تعمل به، وعرّضتني لمواقف محرجة جدًا آلمتني. بعد تلك الهوجة، هدأ إيقاع حياتي لدرجة كبيرة، وصار وقتي خاويًا جدًا. هدأت أعراض كرب ما بعد الصدمة فانزاحت لتترك مكانها للاكتئاب. اكتئاب عظيم، كبير وساحق، يطغى على كل ما عداه.
.
مما أمدح نفسي كثيرًا جدًا بسببه، مديحًا مهولًا لا أتحدث عنه كثيرًا لا أعرف لماذا، أنني كنت أحفر في الصخر. حفرت بأقصى ما استطعت، لأنني شعرت بقوة هائلة تشدني لأسفل. لم أستطع التواصل مع أصدقائي، وكلٌ انشغل في حياته، والطبيب النفسي الذي كنت أتابع معه وقتها ضرّني بقسوة. كنت وحدي تمامًا.

لكني قاومت.

كنت استكشف المكان المحيط. وجدت على مقربة منا، شارع طويل مليء بالمحلات التجارية، حتى إن اسمه "الشارع التجاري"! وبعد عدة محاولات للتسوّق مع أمي، مضنية وعصبية ومرهقة، قررت الذهاب وحدي. كنت أمشي في شارع طويل رأسي، يصل ما بين سكن المستشفى وذلك الشارع التجاري، ونظرات الناس المدهوشة تلاحقني. لم يكن غيري يمشي في الشارع، لا رجالة ولا ستات والله، كما إنني ألبس طرحًا ملوّنة ولا أغطّي وجهي، أكيد كنت عَجَبة! كان ملّاك المحلات يخرجون من محلاتهم لاستطلاعي. في البداية كنت أحرج وأغضب، لكني تعلمت أن أتجاهلهم، ثم عندما احتاج موبايلي للتصليح تعرّفت عليهم، وبالحديث والنظر في العينين بثبات احترموني، وتجاهلوا مسيراتي الطويلة للشارع التجاري.

هناك، تصاحبت على محلٍ للأدوات المنزلية، وأصبح وجهتي المؤنسة للخروج والفُسحة.

كان جزء منه مكتبة للأدوات المكتبية، يسمونها قرطاسية. مكتبة عظيمة ومبهرة، مكدسة فيها البضائع تكديسًا، فكنت أعرج على كل سنتيمتر منها علّني أجد شيئًا مدهشًا أشتريه. ابتعت أكوامًا من الأدوات المكتبية التي ما زلت أستخدمها حتى اليوم، لكن بالأصل كنت أهرب إلى الألوان والمقصات والأشياء الصغيرة والأقلام المليئة بالجليتر والأجندات والأوراق الملونة، من حياتي الرمادية المؤسفة. كنت أقاوم تساؤلات في عقلي "ح تجيبي ده ليه؟ إنتي مش محتاجاه!" فأسكتها بإنني ربما أحتاجه فيما بعد.

لم أكن أقضي وقتًا طويلا في ذلك المحلّ، لأنني كنت ملزمة بميعاد انتهاء دوام أمي لأعود قبلها إلى المنزل وأحضّر العشاء. كلما تذكرت تلك التفاصيل يؤلمني قلبي جدًا، والحكاية ربما طريق شفاء الراوي، لذلك سأحكيها.

أول ما وصلت للسعودية ابتهجت أمي كثيرًا جدًا، لدقيقتين تقريبًا، ثم أعلنت بأنها ستدعو زميلات العمل للعشاء. بعدها مباشرة دعت أطفال العمارة على كيك وشاي، ثم أعلنت بأننا سنذهب للتسوّق بعد الدوام. كل هذا وأنا مذهولة تمامًا: المفروض أن أُدعى أنا للعشاء ويُصنع الكيك والشاي لأجلي وأستريح أول يومين على الأقل من الركض للحاق بموعد الطائرة!

ما اكتشفته فيما بعد أن أمي تتخذني عاملًا مساعدًا للحياة: في وجودي تزهر وتثمر وتقدّم أحسن ما عندها، للآخرين. كنت أستغرب جدًا، عندما اصطحبها للعيادة وأنا بعد صغيرة، أن المريضات يقلن عنها إنها طيبة جدًا وخدوم ومعطاءة، وأننا محظوظون بها كأم، وأتساءل بداخلي "أومال مين اللي بنشوفها في البيت دي؟"

من نراها في البيت، طبعًا، النسخة المرهقة المتعبة من العمل طوال اليوم، فلا يعود بإمكانها أن تقدم أي عطف أو تفاهم أو حنان أو أي شيء. النتيجة أنها أفرخت 5 أبناء لا يعرفون تلك الأشياء.

قبل أن أسافر لها، لم تكن تطبخ أو تأكل. تكتفي بالخبز والجبن والماء، حتى الشاي لا تصنعه، ولا يوجد لبن ولا نسكافيه في البيت. لا تعرف كيف تعيش وحدها أو تعتمد على نفسها.

أمي غلبانة جدًا: وهي صغيرة نشأت على الكفاف، مصر كلها والله كانت كفاف جدًا، في ظل الجمعيات والتموين والانفتاح والسادات والفلوس التي ضاعت عند الريّان -ظلّت جدتي إلى ما قبل وفاتها بقليل تبحث عن أي أخبار عن النقود التي لها عنده- فتعوّدت على أن الضروري جدًا فقط هو ما نحضره، والباقي تفاهات. لكن الظروف تحسنت فيما بعد، تحسنت وأصبحت جيدة وفي فترة ما امتلكنا أكثر مما نحتاج لصرفه، لكن العقلية لم تتغير.

أمي لا تعرف أن هناك حياة أخرى، حيوات كثيرة جدًا أخرى، فيها توابل ووصفات جديدة وخضار يُصنع بطرق شهية، فيها سفر ورحلات واسترخاء على الشاطئ دون القلق حيال الغداء وح نشتري السمك منين ولازم يكون طازه. لا تعرف أن هناك خطوط موضة جديدة والملابس يمكنها أن تكون زاهية وملونة وفيها ورد أو أي شيء يفتح النِفس على الحياة. لا تعرف شيئًا عن الأفلام أو الكتب أو الروايات، ولا أي شيء آخر سوى الشقاء والتعب.

قد تكون أمي ضحية، أغلب طبيبات النساء هكذا، من حكايات أصدقائي عن أمهاتهن، لكنها في السكّة نسيت الفرح والضحكة والابتهاج والدعم والحنان والحب والتقبل غير المشروط. لم أعرف مع عائلتي كلها أي تقبل، لا عادي ولا بشرطة.
.
في تلك السفرية رأيت ما تفعله أمي، بوضوح، وإن لم أدرك تأثيره عليّ أو أتمكن من مقاومته. ما زلت أذكر محاولاتها لمنع الطعام عني كي لا يزيد وزني أكثر من ذلك. كنت ساعتها أتناول دواءً المفروض أنه مضاد للاكتئاب، لم ينفعني بشيء وإن نالتني كل آثاره الجانبية، منها فتح الشهية. لكنه فتح شهيتي للطعام وليس للحياة، فكنت آكل وأنا تعسة جدًا، لا أستطعم أي شيء أضعه في فمي، لكني أسكت جوعي القارس. بعد ذلك التاريخ بأربع سنوات، قرأت تدوينة لهيفا، الكاتبة الناجحة جدًا، تذكر فيها تاريخها مع محاولاتها لضبط شهيتها المفتوحة دومًا، وكيف أنها وهي صغيرة كانت أمها تبعد الطعام عن يدها أو تقرصها أو تضربها على كفها لتتوقف عن الأكل. بكيت عند تلك الجزئية، لأني تذكرت تاريخًا مماثلًا.

كانت أمي تعود من العمل ليلًا منهكة، تتوقع العشاء معدًا وقد اشتريت الماء -هناك الماء العذب يُشترى ولا ينزل من الحنفيات- وأحضرت الطلبات وغسلت الغسيل إلخ إلخ. وعندما تجلس للعشاء، تحكي عن يومها.

كانت تمتص تيار الحياة من داخلي. ربما يبدو التعبير كليشيه مبتذل، لكنها فعلت ذلك بالحرف. كانت تحكي عن كل الأشياء السيئة التي حصلت لها وتتوقع مني حلّها! كيف وأنا نصف عمرك تقريبًا، يا ست؟ وعندما أقترح عليها حلًا فيه أي شبهة مواجهة، تتراجع، وتقول بإنني لا أفهم شيئًا، ثم لا تسمع أي حكاية عني يومي أو مشاعري أو عملي أو أي أمر آخر يخصني، وتؤنبني على أي شيء تراه ناقصًا أمامها ولا تكف عن التعليق على حجمي الزائد وتنصحني بالنوم مبكرًا كي أستيقظ مبكرًا أو أكف عن تناول المنوّم لأنه هو ما يجعلني أنام 14 ساعة في اليوم والبركة في البكور رغم أنني لا أملك شيئًا أفعله في الصباح.

.

مما يُعجب له أنني قاومت. قاومت كل ذلك واحتملته وما زلت حية، أقاوم.

لسنوات بعدها صُدمت بقوة، وكثيرًا جدًا، عندما عرفت أن الحب يُعطى بلا مقابل ولا ثمن، وأن التقبل غير المشروط واجب على الوالدين. عرفت أن اللمس أو الأحضان واجب بشري على كل من يريد الخِلفة، وأن الأبناء ليس من واجبهم أبدًا الاستماع لمشاكل والديهم، أصدقاء والديهم وشبكتهم الاجتماعية هم من يقع عليهم هذا الدور. عرفت أن "الشبكة الاجتماعية" للدعم فيها الأصدقاء ومن نرتضيه كتمًا لأسرارنا وناصحًا لطيفًا، وليس أي شخص نجده في وجوهنا والسلام. عرفت أن الحب من حقي، والحياة الآمنة السعيدة، والابتهاج، من حقي جدًا وتمامًا.

ما زلت أسعى للحصول على مساحات آمنة لي، أخلق بعضها في المنزل وأركض في براح الأصدقاء، قوية، خارجه. ما زلت أومن بأن من حقي السعادة والله، وأسعى إليها بكل طاقتي الضئيلة أصلًا.

بعد غدٍ، أتوجه للمستشفى كي أحصل على علاج جديد للاكتئاب، ربما يأتي بنتيجة. يقول لي صديقي بعدما سألته "ولو ما نفعش؟" إن الاحتمالات 50-50، وأننا بنعمل اللي علينا وخلاص. ما لم أصححه له إن الاحتمالات 70-30، والسبعين هي الشفاء والنجاح والتقدم وحاجات كتير تانية حلوة فشخ. لكني خائفة جدًا.

أول مرة بنج كلّي وامتناع عن الأكل والشرب لنصف يوم وأول مرة أشياء أخرى كثيرة جدًا، خائفة وأرتعد، قلبي يرتجف من جوة ثم أعود وأذكّر نفسي بانتصاراتي على غول الاكتئاب المريع في سنتي السعودية، وأنني كنت ساعتها وحدي تمامًا، فا مش ح أقدر على دي وأنا معي طبيب بارع وأصدقاء في منتهى العظمة؟ لأ عيب عليا بقا.

أرتجف ثانية ثم أتذكر تاريخي ومعاناتي، وكلمة تامر "إنتي حاولتي كتير وبكل الطرق الممكنة، مفاضلش غير ده، اعمليه وشوفي" وتعبير شادي عما أفكر فيه تمامًا "تستحقي أجازة، أيّ بريك من التعاسة المستمرة دي، وإنتي شفتي كتير، الله يعينك" وأمتنّ جدًا.

أعتذر عزيزي القارئ والقارئة على كآبة التدوينة وسخافتها ومشاعرها الثقيلة أو عن دموعك التي انهمرت وأنت تقرأ، آسفة والله مش قصدي، لكن الكتابة علاج لي، ولأسباب تقنية متعلقة بمتلازمة النفق الرسغي، لا أمسك القلم. وما دمت كتبت على اللاب توب، أنشر بقا :D

معلش تاني والله، وادعُ لي كثيرًا جدًا، وذكّرني بأن أبتاع لبنًا بالموز لأني أنوي شربه بعد الجلسة :))
.
روز
8-11-2018

5 Nov 2018

ما بين الأمل والهزيمة، يوم كامل

اليوم الذي بدأ، ع الضهرية، بـ “اصحي قومي، ح نهدّ الكون ونبنيه تاني”، انتهى بـ”واحميني من الوطن الكمين، والانتظار في عيادات الأطباء.”

لم يتركني السعال منذ كثير جدًا، قررت اليوم ببادرة طيبة مع نفسي أن أذهب لطبيب الأمراض الصدرية. تشككت “ح يقول إيه جديد يعني؟” لكنني قررت الذهاب. أتصل بالعيادة لأعرف مواعيده وأنا في طريقي للعبور، لحضور آخر جلسة في العلاج الطبيعي. أسعد جدًا أنها آخر جلسة، لا أريد الذهاب للعبور ثانية.

في طريق العودة يقرر جزء من الطريق أن ينهدّ. أمس كان طريق السويس مزدحمًا جدًا بغير سبب، وعطّلني ساعة كاملة. وصلت متأخرة للطبيب النفسي، ألهث وأسعل بقوة، وأرجوه أن يعطيني الخمسين دقيقة كاملة. يضحك بإرهاق ويعطيها لي: تأخرت الجلسة السابقة عليّ وأخّر التالية لي. لا يسعني شكره كفاية.

نأخذ اليوم الأوتوستراد، طريقًا طويلة جدًا ومقرفة ومملة للغاية. يقرر السائق الاستظراف فأضع السماعات فوق أذني. أسرح للسماء: نجمة، أو طائرة، تعد بحياة جديدة، أي شيء آخر غير هذا السوء المرطرط. أفكّر أنني أريد سماع الموسيقى اللطيفة التي أضعها رنة، فتأتي فورًا في قائمة التشغيل العشوائي للموبايل! أمتنّ لها كثيرًا، وأسمعها للآخر.

أتذكر أنني سمعتها لأول مرة على مدونة “لستُ أدري” أيام عزّ المدونات، في 2006-2009. لم يكن الإنترنت متطورًا وقتها، وكنا نتبادل الموسيقى والأغنيات بصعوبة. تعرّفت من خلالها على “شجر البن” و”قهوة شعبية” لمارسيل خليفة، ثم “عزف الآنون لزياد رحباني”. تكتبها هكذا “آنون”، فنزّلتها على جهازي، وما زالت عندي بنفس التسمية. كانت أيامًا جميلة.

أصل للبيت فأستحمّ وأتغدى ثم أفتح الفيس بوك: حازم خرج بالسلامة، حازم أفاق وكتب مقالة.

كان هذا أفضل شيء حدث منذ وقت طويل جدًا، أفضل من كل ما عداه. عشت أسبوعًا من قلق لا حدّ له. كنت أبكيه سرًا وأفكّر في محاولات التمسّك بالحياة بينما الحقيقة أنه “ح نموت كلنا”. لكن حازمًا بخير، أحمدك يا رب.

اندفعت في بكاء مفعم بالفرح. كان في مقالته يصف مراحل علاقته بزوجته، هبة، منذ بداية تعارفهما حتى الزواج والإنجاب وسنده في رحلة علاجه الطويلة. جعلني هذا أفكّر: رحلتي أنا أيضًا طويلة وثقيلة ومقرفة، أحتاج لرفيق، أحتاج لسَنَد يهوّنها عليّ.

يتساءل حازم في مقالته عن مصيره وهبة، لو لم تحدث الثورة. يشكر تلك الفترة، ضمنيًا، لأنها غيّرت مسار حياته تمامًا، وجعلته يتعرّف على رفيقة عمره التي يمتنّ لكل لحظة قضياها معًا. أفكّر أنا أيضًا: ماذا كان ليحدث، لو مرّت حياتنا بلا 2011؟

أنا وحازم وآلاف من أصدقائنا وأصدقائهم، تضررنا جدًا وتمامًا من كل تلك الليلة السودا، ضعنا وسقطنا وتشاجرنا واتنيلنا بنيلة. لكني، كحازم، سعدت بها جدًا.

أتذكر ضحكات العشرات من الأصدقاء الذين لولاها لما تعارفنا، أذكر كلمات عبد المحسن الهادئة وهو ينصحني بأن أعبّر عن رأيي وأوقف خالتي عند حدّها، وأنا لا أكاد أصدقه “يعني عايزني أعارضها؟؟” قبل أن أتبين مقدار الأذى الواقع عليّ وعلى إخوتي وأولادها من تحكيمة رأيها السخيفة. آلاف الضحكات والدموع والأحضان والركض والحفلات والعزومات وحفلات الزواج والخطوبة والسبوع، لم تكن لتحدث لولاها. ظهري محمي جدًا، في أغلب أوقاتي، بسبب أناس تعرّفت عليهم في ظلها. عرفت نفسي وعرفت حياتي وأتجه لإصلاحها قويًا، بسببها.

أمتنّ جدًا للذكرى والضحك، أدخل على الماسنجر وأرسل لحازم قلوبًا حمراء وزرقاء كثيرة، وأتساءل بداخلي عن مدى تحفظه، لأن عيب الولاد المتجوزين نبعت لهم قلوب.

أصل للطبيب فأجد فيلمًا سخيفًا لتوم كروز يُعرض على شاشة صالة الانتظار، وأمامي حالتان. أجلس لأتابع الأستاذ كروز يمثّل بقلبه وخلاياه الوسيمة، يُضرب بالنار فيقع ثم ينهض تاني عادي جدًا، أحاول التشاغل عن ألم ظهري وإحساسي العارم بالمرارة بتحليل صفات الشخصيات وردود أفعالها، كعادتي كلما شاهدت فيلمًا. أفيق من تأملاتي على صوت رشرشة.

تقرر السيدتان شديدتا السخافة، الجالستان أمامي في نفس أم الصالة، وضع طن من العطر المقرف.

أسعل على الفور، لا تمنحني الرائحة فرصة لمعاتبتهما. تقترح إحداهما “طب اخرجي برة عشان تاخدي نفسك” فألومها “قاعدة في عيادة فيها طبيب للحساسية، أكيد فيه مريض للحساسية قاعد! ما ترشيش!” ثم أخرج مباشرة. أجلس في الحديقة الجميلة بالخارج، أتطلع للسماء بمرارة ساحقة، أدعو الله إن كفاية كده، كفاية مصر، وكفاية مرض وبني آدمين. كفاية يا رب. وغلاوة سيدنا النبي عندك، “احميني من الوطن الكمين” زي ما بيقول أحمد العايدي.

أدخل للطبيب بعد برهة، أحكي له عن كل ما حدث. أقول إن أنفاسي اتكتمت بسبب العطر فنشتم فيهما معًا، ثم يبدو عليه القلق عندما يسمع صدري.

يؤنبني أنني لم أحضر من قبل، ولم أتابع معه منذ آخر زيارة رأيته فيها. يعطيني مضادًا حيويًا جديدًا، ويقول إنني لو كنت بالخارج لطمأنني بأن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن “إنتي في مصر، وارد جدًا مع كل كمية التلوث دي يجيلك الالتهاب ده تاني وتالت.” شدّد عليّ بأن أتناول المضاد الحيوي على الفور، وكتب لي دواءً للمعدة كي لا يبهدلني أكتر ما أنا مبهدلة، ثم كرّر مرتين أن أتواصل معه على الواتساب بعد يومين، وأزوره في العيادة بعد 4. قال إنه لن يتركني، ويريد أن يطمئن عليّ دائمًا.

ينتقل إليّ قلقه. أخرج من العيادة مهزومة جدًا وروحي ممسوح بيها البلاط. أصل للمنزل وأطلب الدواء من الصيدلية القريبة عبر خدمة الواتساب، لأنني لا أستطيع الاتصال والكلام. أكتب كل الأدوية الناقصة لديّ والتي أتناولها يوميًا: علبة من كذا، علبتان من كذا، إلخ. أعود لأمسح كل هذا: شريط من كذا وآخر من كيت. لا أملك نقودًا كافية.

أرثي حالي: كل نقودي التي لا أملكها أساسًا، أصرفها على الدواء وزيارات الأطباء. أنا أكثر شخص أعرفه في محيطي يمرض باستمرار، وأكثرهم زيارة للأطباء. أغلب الناس تقول اغلي لبان دكر أو اشربي قرفة، مع أن كليهما مضرّ جدًا بالحساسية الصدرية، لكنهم يفضلون المغليات على زيارة الطبيب. أذهب أنا للعيادات وللمعمل وتشكّني الإبر وأنام أسفل جهاز الرنين المغناطيسي وتضع الممرضة أقطاب جهاز رسم القلب على صدري بينما أكاد أموت من الخجل. كل هذا وأنا بخير، لا شيء قاتل أو لا يمكن التغلّب عليه.

طبعًا، لا أنظر إلى أنني بخير وسيذهب السعال قريبًا لو تناولت الدواء، وهناك احتمال كبير أن أُشفى من الاكتئاب أو حتى أروّض ميتين أمه. أتجاهل كل هذا وأشعر بالنقمة لأنني أصرف كل نقودي على الأطباء والأدوية وليس على الملابس أو الماكياج أو الإكسسوارات أو السينما. صار لي عام لم أذهب للسينما، بالمناسبة.

أدبي ليس قليلًا، ولا أنا منحطة لا أشكر نعمة ربنا. أنا فقط أتمنى لو انزاح كل هذا، لو قلّت المعاناة ولو بنسبة صغيرة، كي يمكنني أن أرى ما بالحياة من مبهجات، أي شيء يكسر هذا الملل.

أقول أمس للطبيب النفسي إنني لا أقوى على رفع رقبتي وتثبيتها في وضع مستقيم أفقي، لكنني أحاول. أضع الكتاب في مسند الكتب الخشبي، المستخدم لحمل المصحف، وأوقفه أمامي فوق صندوقين صغيرين، على المكتب. أجلس وأسند ظهري وأثبت الكتاب بمشابك غسيل في المسند، وأقرأ. مجهود ابن كلب، يرهقني أغلب الوقت، لكن من دونه لن أقرأ على الإطلاق. لا أستطيع حمل الكتب أو ثني رقبتي، ببساطة.

بهذه الطريقة أتعرف على خان الخليلي في مطلع الأربعينات وأضحك من نجيب محفوظ وأنتهي من ديوان محمد خير وأغوص في “سنة القراءة الخطرة” ويدق قلبي بعنف مع فتحي غانم، وأكاد أبكي مع علاء خالد وأدهش بقوة من إبراهيم داوود وأشعر بالاغتراب معه لكن لا أكرهه، وأنتهي من “اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة”. أتصوّرني تلك الفتاة وأشعر بزهو بالغ لأنني أحب الكتابة وأفعل أغلب ما تقوم به تلك الفتاة، وأتلفت حولي باحثة عمن أخبره بذلك الاكتشاف.

أقول للطبيب إنني لا أستطيع العمل لكني أشاهد أفلامًا جيدة وأدفع نفسي دفعًا للخروج مع أصدقائي والحديث معهم والضحك والتصوير، خططت لحفلتي عيد ميلاد لصديقي الجميل وسافرت لضواحي القاهرة الجديدة كثيرًا، كاد قلبي ينخلع أمس من جمال شجرة الصفصاف أو “المستحية” في البحيرة الموضوعة في قلب إحدى تلك الضواحي، أخبرت نفسي بأنني أشاهد شيئًا جميلًا جدًا لا تتوفر لي الفرصة كثيرًا لملاحظته. يثني الطبيب على محاولاتي.

يقول بصوت هادئ إنني البطل في كل تلك الحكاية. الفضل لربنا طبعًا، لكنني من فعل كل هذا، لا أهل داعمين ولا زوج متفهم -أحمد الله أنني لم أتزوج بعد، جدًا جدًا- ولا طبيب عبقري أتى بما لم يأتِ به الأولون. أندفع في حماس لأؤكد أنه طبيب عبقري والله، فقال إنه شخص عادي، يطبق ما جاء في الكتب وخلاص، لكن كل الشغل يقع عليّ أنا. أتذكر ما كتبه د. محمد الشيخ، الطبيب النفسي وأستاذ الجامعة المصري في برلين، أن العلاج النفسي ليس جلسات تدليك بل هو إصلاح للكسر ع الصاحي وبدون بنج. انبسط من كلام طبيبي وينشرح صدري.

أخبره وأنا في طريقي للخارج بأنني مبسوطة جدًا والله بهذا الكلام، أحب جدًا من يمدح في مجهوداتي لأني أتعب جدًا وأحب التقدير والشكر والمديح، جدًا والله العظيم. أغلب الوقت أنا تعسة تمامًا، مهزومة ومنيلة بنيلة، البيت جوّه نكدي جدًا وهادم، لو جاؤوا بمفكّات وأزاميل وأعملوها في روحي لما أحدثوا كل هذا الخراب. أغلب الوقت أتساءل “فيه مخرج؟ هل الخلاص موجود؟ هل فيه حياة تانية سعيدة، أي شيء غير القرف ده؟” وكبرى معاركي هي محاولات إقناعي للنزول من الفراش صباحًا، حتى الماء أحرم نفسي منه أحيانًا، بلا وعي. لذلك أحب سماع كل هذا.

يبتسم الطبيب في إرهاق ويقول إنني أنا من سعى لمحاولة العلاج الأخيرة، آخر المحاولات في الطريق كله ويلجأ لها الأطباء في الحالات الميؤوس منها، ليس عندما يكون المريض متنبهًا ويحلق ذقنه -رجالة وستات، يقول- وقادرًا على الحديث واتخاذ القرارات، لكني من سعيت إليها. ضحكت “أنا فعلًا ميؤوس مني! أنا مش عارفة أشتغل ولا معايا فلوس كفاية!” فمدحني ثانية. العلاج الجديد تدخلي، ربما يؤتي بثماره وربما لا، ولا خطر منه أو أعراض جانبية، لكنه يحتاج لشجاعة ومال كثير وتحايل على الظروف. قلت له إنني مستعدة لكل هذا وأكثر. ربما ستسوء الأحوال، لكنها لن تصبح أبضن من عمق الخرارة التي أرزح فيها حاليًا.

أكتب لنفسي هذا الكلام، حتى إن نسيت، أرجع له وأتذكر هذه الفترة: مطلع الشتاء، يكاد صدري يتمزق من السُعال، تناولت أول حبة من المضاد الحيوي الجديد، يتعاطف معي أطبائي جدًا ويقف أصدقائي في ظهري. أنا محظوظة جدًا.
.
روز
5-11-2018

21 Oct 2018

والعمل، إيه العمل؟ -للإجابة اقرأ آخر التدوينة-

يكاد النوم يغلبني لولا بقية من حياء ومعرفة وثيقة بحاجتي للمنوّم، عدا ذلك سأظل في مرحلة الهانج أوفر: مصاء الخييييييييييييير، أنا المرحومة أم كلثوم.

أستغل ما تبقى من طاقة في معصميّ -والنبي تكملي جميلك- لأكتب، لا بدّ أن أكتب وإلا لن أنام! معروفة ولا داعي للمناقشة.
.
اليوم كان مرهقًا جدًا.

بدأت صباحي بمحاولة للعودة لأرض الواقع. نسيت بماذا كنت أحلم، لكني أمس، مثلًا يعني، كنت أحلم بالبانشي، وهي عروس بحر آكلة للبشر، تغويهم بغنائها فيقفزون للماء ثم تأكلهم، ببساطة. تدخلت الديناصورات في الموضوع لكني أبعدتها -والله العظيم، أبعدتها بيدي- وقلت للمفزوعين أن نضع الموسيقى التصويرية لفيلم "طروادة Troy" على موجة عالية جدًا حتى يفيقوا من تأثير البانشي. لماذا لم أستجب لغنائها؟ لأني واحدة ست! اسئلتك غريبة.

بعد ذلك بدأت محاولة إقناعي للنزول من السرير. لم تفلح حيلة المثانة الممتلئة، فحان وقت المعدة المصابة بالتهاب في المعدة، والخاوية وبالتالي مؤلمة جدًا. اتنيلت صحيت بقا لأني للأسف لا بدّ وأن أطعم نفسي.

بعد اختصارات طويلة، وصلت لاجتماع العمل متأخرة عن ميعاد بدئه بثلاث ساعات. دخلت لأجدهم يمارسون بعض الأنشطة الإبداعية المتفق عليها سابقًا، وكل هذا عظيم جدًا والله، لكن ماذا يفعل كل هؤلاء الأطفال على الأرض وبين سيقاننا وفي حقائبنا؟ ما كل هذا الضجيج؟ كيف سأواجه؟
.
ساد ستوري:
صار لي فترة والقلق Anxiety نشط جدًا معي، ولا أدري ما العوامل التي أدّت لذلك، سأزور الطبيب غدًا على أي حال يمكن أجد العوامل عنده مستنيّة. لكن، وكأحد أعراض ذلك القلق، صرت أسمع كل شيء كقصف.
للأسف تعرّضت في حياتي لتجارب سخيفة جدًا منها الرشاشات المتعاقبة السريعة جدًا والرصاص المتناثر ومحاولة إحصاء الجرحى وحملهم والهرب. من وقتها وأنا لا أسمع أي صوت مماثل ولا أشاهد أفلام ضرب وجريمة وعنف ومطاردات عربيات، لأنها لم تعد مسلية، عندنا منها بس على أوحش، إلعب غيرها.

لكن، وعودة للوقت الحاضر، صرت أسمع القصف في كل شيء: ماء الدّش -خاصة لو بارد- صوت الخلاط ومضرب البيض، كلاكسات السيارات العالية، إشارة الاتجاهات أو الانتظار في السيارة، صوت المروحة وتكتكة الساعة، وأخيرًا: صراخ الأطفال وركضهم وطلباتهم المتعاقبة.
إند أوف ساد ستوري.
.
على جروب الفيس بوك التابع للعمل، تكتب الزميلات -وكلنا ستات- أنهن انبسطن واستمتعن وطلعن ونزلن. أتساءل: هل سأبدو ناكرة للجميل لو قلت إنني خرجت كمن تعرّض للكمة عنيفة في بطنه وما زال يعافر للتنفس؟

سيقول المعلّق الساخر -والبضين بطبعه- إنه ما ذنب الأمهات إذ لا يوجد مكان لترك أطفالهن فيه نهارًا؟ وسأردّ: وهل من قواعد العمل اصطحاب الطفل وتركه ليحدث كل هذا الضجيج في الاجتماعات، الاجتماعات يا ظَلَمة؟

.

عدت للمنزل أحاول استعادة هدوئي وتصالحي على نفسي، تعشيت وتناولت الدواء، وحانت مني التفاتة للصالة: وجدت أمي ترتب كتبي كيفما اتفق لأنها جمعت التراب وشكلها وحش فوق منضدة السفرة، حسب قولها.

ولمن لم يتابع الحكاية، كنت أعيش لفترة في بيت مستقلّ لي وحدي تملكه العائلة التي تذكرت ذلك فجأة وأنهم يحتاجونه فطردوني منه لأعود للحياة في بيت أمي. عادت حاجياتي لمنزل أمي الذي لا أرتاح فيه، شيئًا فشيئًا، ومنذ أسبوعين وصلت آخر دفعة من الكتب.

ولمّا كنت أعاني من آلام عنيفة في مفاصلي وعظامي وعضلاتي -لأ ثانية عشان المزايدة حلوة: وأوتاري- فقد تركت الكتب على السُفرة لتجمع التراب براحتها بقا، إلى أن أصبح في حال أفضل. طبعًا، قررت ماما أن تحلّ الأمر بطريقتها، وجاءت بمكتبة كبيرة وقبيحة من عمق البيت لتضعها في صدارة الصالة، وتكدس في رف وربع منها بقية كتبي.
.
أنا شفت كده واتجننت.

بداية، كان مبعث غضبي أنها تعبث بأشيائي دون أن تخبرني. ما أنا متلقحة جوة ما تقولي! امتلأ البيت بصراخي، ثم تعافيت على نفسي ونقلت كتبي لغرفة أخي التي احتلّ نصفها كمكتب ومكتبة بائسة لي، ورزعت الباب ورائي وانهرت في البكاء.
-ما تخافيش يا نيفين أنا كويسة، اتهدّي وكملي قراية للآخر-

بكيت كل شيء: أحلامي الضائعة ومحاولاتي العبثية تمامًا أن أكون بخير وأتغلب على الاكتئاب والقلق وكرب ما بعد الصدمة وآلام العضلات والمفاصل والأمراض الوراثية والتعويم والتضخم والجمارك والبؤس المجاني والمرطرط وعربات اللوري الزرقاء وأصوات سارينة الونش التي تخيف من يحاول الركن صف ثانٍ، أتغلب على كل ذلك وأنا طاقتي محدودة جدًا أصلًا، لأعمل وأنتج أموالًا بالهبل وأعيش في بيت لي وحدي لا أحشر مكتبي فيه في 2 متر مربع أو أكدّس كتبي تحت السرير. بيت أغلق ستائره كما يحلو لي وأملأ ثلاجته بما أحبه وأدعو أصدقائي للغداء وشرب القهوة وربما، لو طال بنا زمن التمني، لصنع أشياء ملونة لطيفة في ركن الأعمال الفنية المستوحى من بينتريست -سأضع فوقه استيكر لوجه مبتسم وعينيه مكانهما قلبين وجليتر، الكثير من الجليتر.

بكيت أنني لا أستطيع فِعل أي شيء وحدي، وهذا مؤلم جدًا. لا أشعر بأنني إنسانة.

قلت لأمي مهتاجة إنني سأجمع كل هذه الكتب وأحفر في الحديقة وأشعل فيها النار، كما فعل خالي حينما وجّهت له جدتي نفس التعليق: "الكتب بتلمّ تراب" فأحرق كل مخزونه من ميكي وسمير وسوبرمان وباتمان. أخذت ألعن حبي للكتب والقراءة ومحاولتي للحفلطة: فادتك بإيه الكتب؟ ثم أبكي أكثر وأقول بصوت عالٍ: ليتني كنت بلا عقل ولا رأي، يزوجونني لأول حمار يدق الباب وأعيش معه تعيسة وأقول لنفسي إن هذا قدري ومن الكفر محاولة الهرب من القدر أو تحديه وأرضى بالتعاسة والقرف بل أسعى لتحقيقهما في غيري. لماذا لم أكن بقرة أو جاموسة أو حتى نخلة، يقطعونها ويرمون جذعها لتوسيع الطريق فلا تشعر بما حدث لها وتموت في سلام؟

كدت أمضي لأخبرها بأنها تحاربني في كل شيء ثم تفرح بنجاحي وبالجوائز التي أحصل عليها، لكني تراجعت. هناك حد للإيذاء بالكلام، حتى أنا لا يمكنني تجاوزه.
.
ثم فجأة، وصلت في ترتيبي للصناديق القديمة، محتويات "ما تحت السرير" قبل نقلي لبيتي. فتحت الأكياس المتربة وأخرجت محتوياتها لأنقلها في أكياس جديدة ونظيفة، فسقطت من كومة الجرائد التي أحتفظ بها، أول جريدة نُشر لي فيها.

جريدة ورقية، بالصدفة عثر محرّر ركن المدوّنات بها على مدونتي، وكانت ساعتها تُدعى "في برزخ الصمت"، ونشر لي منها تدوينة. لم يستأذنّي، لم يكتب اسمي حتى -ساعتها كنت أسمّي نفسي "حنين" ولا أعرف السبب والنعمة- بل اكتفى بنشر رابط المدونة وعنوانها.

اتصلت بي مُنى في ذلك اليوم، وكان عظيمًا على كل المستويات، لتخبرني ببهجة أنهم نشروا لي. كنا في الميني باص في طريق العودة أنا ونيفين، حينما سمع رجل عجوز صوتي وأنا أزعق في التليفون "إيه؟ في الشروق؟" فأعطاني نسخته من الجرنان ممتلئًا بفرح أكثر مني، وراح يدعو لي ولنا كلنا. كدت أعلّق متشككة "بس إنتا ما قريتش التدوينة!!" لكني خرست، الحمد لله.

وضعت كل الجرائد في كيس أصفر نظيف، وتركت هذه النسخة على جنب، وحينما رفعت الكيس الصغير سقطت أخرى.. إنتوا متفقين عليا بقا!
ثاني جريدة يُنشر لي فيها، ولا أعتقد أنني وصلت لأي مطبوعات دورية ورقية من ساعتها، منذ أن كنت في الرابعة والعشرين.

كان تحقيقًا بطول صفحة كاملة، والجريدة أصلًا صغيرة وصفحاتها مستطيلة بالطول وليس بالعرض. فتحته مستعجبة: ماذا كتبت فيه؟ لا أذكر غير أنني كنت منفعلة جدًا وأتنطط في كل مكان لأجمع المعلومات، أول تحقيق أجريه وآخرها أيضًا، لا أملك صحة ولا مالًا، لا للتحقيقات ولا للسجن.

لكن، أكثر ما أعجبني فيه أنني "ضفّرته" بالشِعر العامي والفصحى وبأجزاء من مسلسل قديم. تعبير التضفير في محله تمامًا، ويعني إدخال الشِعر على النثر لأن -طبعًا- الشِعر أكثر فصاحة بينما النثر بيرطرط. أول مرة قرأته كان لدى د. أحمد خالد توفيق، ولم أحاول البحث أكثر.
.
شعرت بهواء بارد يرسل رجفات متتالية لكل جلدي، ولرأسي الناضح عَرَقًا. شعرت بأنني جاحدة للنعمة وغبية أيضًا: ناس مؤمنة بي وتنشر لي من قبل حتى أن أعترف في قلبي بأنني كاتبة، وقبل أن أسعى للنشر. فوق الكتب في الرف الأعلى من النيش/مكتبة توجد اللوحة المحفور عليها اسمي، وبجوارها شهادة المركز الأول في مسابقة أينعم عبيطة لكن المحكمّين فيها -وكنت حينها 22 سنة فقط- قالوا إنهم مبهورين وأمامهم موهبة حقيقية. وببقية من مفهومية في مخي حمدت الله على أن الحمار لم يأتِ وأنني لم أكن نخلة، فالنخل يا عزيزي لا يُصاب بالتهاب في الأوتار ومع ذلك يقضي نصف الليل يتكتك على الكيبورد: أعقل وأكثر حصافة وما بيجيبش لروحه الكلام.
.

لا يوجد حلّ سريع ونهائي لكل تلك المعاناة، لكن مع الأيام أجد أنني أفضل حالًا من شهر يونيو، وأنني أبلي حسَنًا أفضل من يوليو، وقد انتهى أغسطس بكوارثه فلنحمد الرب. بشيء من المعافرة والكثير من الصبر وأقل القليل من اتهام العالم بأنه قد خرج لمهاجمتي أنا وحدي، لأني دفعت الفاتورة خلاص أحسن يشيلوا العِدّة، والكثير جدًا من التكرار، سأخرج منتصرة أو على الأقل أفضل حالًا.

تمدح الست إيزابيل آيندي في التكرار. تقول كل يوم اكتب ولو ورقة واحدة، في آخر العام ستحصل على 365 ورقة يمكنك تحريرها ووترتيبها بحيث تصبح شيئًا مقروءًا. تقول املئي مخازنك، على طول وباستمرار. تقول أن نقرأ ونكتب ونشاهد الأفلام ونسافر للفّ العالم، لكني ما دمت لا أملك أجرة التاكسي لرصيف المطار -والكارتة، لا تنس الكارتة لا نرجع!- فلأشاهد الأفلام وأحاول القراءة. يجب أن أملأ مخازني.
.
لا تدعي الأيام الثقيلة يا روز تنهك روحك أكثر مما يجب، فبعض الإنهاك لا يمكن العودة منه. ولا تنسي أننا طالما أحياء حتى الآن، فهناك فسحة للاستمتاع وقِرَب الماء الساخن والزانتاك مع الكثير جدًا من هيركيول بوارو والمكالمات الضاحكة والتلوين والشوفان بالزبادي. وربما، لو فرد علينا الحظ طاقيته، سنصل إلى زمن نقرأ فيه هذا الكلام ونضحك ونمتنّ ونخبئ وجوهنا إن "يا رب ميكونش حد أخد باله!"

وآه بالمناسبة: صنعت منذ يومين قرطًا من الأصداف، واشتريت اليوم بلسم تحفة للشعر :)
.
روز
21-10-2018

طعم البعاد صبّار

"ده أنا ليا فيها النيل وليها فيا الروح ما أختارتش إني أروح ما أنا جوعي كان كفران ملعون أبوك يا طموح آخرك تشوف لي كفيل لك...