17 Oct 2018

عزيزتي معلومة الهوّية: الحياة معاكي، جميلة فشخ

بقالي فترة كبيرة باعاني.

كنت باقول لنفسي كده، إمبارح باتفرج على التلفزيون لقيت أفلام لحاجات حلوة وحياة حلوة بتحصل في بلاد برة، فقلت لنفسي "كل الحاجات الحلوة بتحصل برّة بس" مكملتش الجملة يعني مينفعش أحط فاصلة ولا نقطة وقلت لنفسي "بس أنا فيه حاجات حلوة جدًا حصلت لي وأنا هنا، جوة في الحفرة، وناس حلوة جدًا شفتها -بس هما مبيحبوش الشكرانية فا حاسكت- وأماكن جميلة رحتها، ومن الظلم نكرانها."

الحقيقة التدوينة دي لا تمدح في هذه البلد بأي شكل من الأشكال، أنا لسه عايزة أسيبها وأروح بلد بارد ومليان تلج -اشتميني يا منى براحتك- وبيحتفلوا فيه بالكريسماس! آه والله، أنا عايزة أسافر مخصوص عشان أروح بلد فيها كريسماس وشجر وزينة في كل حتة، بس في نفس الباكيدج، البلد دي تبقى آمنة ليا وفيها تأمين صحي واجتماعي وفيها إمكانية للشغل، واختيارات كتير في السوبر ماركت وفلوسها حلوة فيها البركة تقعد لآخر الشهر، ولما ييجي ديسمبر نزيّن الشجر ونطبخ فطير بالتوت، بدل البلد دي اللي مفيهاش توت ولا شجر ولا صحة ولا فلوس.

بس أنا عشت حاجات حلوة فشخ هنا.

من شوية كنت باوضّب، باسمع التسجيلات الصوتية الحلوة فشخ اللي بعتتها لي منى وباوّضب مكتبي. حطيت مفرش كاروهات -كان قماش بلوزات قديم جدًا وفاضل منه ييجي متر ما يعملش كمّ حتى- وزيّنت المكتب، وفتحت الأدراج ولاقيت أشياء ممتنة إني اشتريتها في وقتها. حاجات كنت باقول لنفسي وأنا مكتئبة وغالبًا مفلسة "يعني إنتي لما تشتري الحاجات دي ح تحقق لك السعادة الأبدية؟" أو "ح تعملي بيها إيه؟ روحي صلّحي حياتك الأول" ودي نفس الجمل اللي كانت بتتقال لي.

فا أنا يعني ممتنة للكيس القماشي المزخرف يدويًا، اللي اشتريته من كاترين في أول مرة أروحها تقريبًا، وممتنة فشخ لكل الحاجات المتعلقة بكاترين حتى الأحجار اللي كنت بالمها من الجبال وأنا ماشية، وخايفة حد يقفشني ويطلب مني تصريح لجمع الأحجار!

ممتنة لكل البوك ماركس - أو علّامات الكتب- اللي جمعتها واشتريتها عبر العصور، ولمجموعتي من الأصداف والقواقع اللي كنت باجمعها من وقت مبكّر جدًا، ولما آيات عرفت إني بحبها أهديتني حبة كتار جدًا منهم -ربنا يخليكي :* - ولهوَسي بالورد المجفف والأواني الزجاجية وأي شيء زجاجي عينيا بتشوفه بتتحوّل لورود وفراشات وقلوب وجليتر متناثر في كل حتة، وللشمعة أم ريحة "بياضات" اللي جبتها من السفرية الأخيرة للسعودية وصممت ما افتحهاش ولا أشغلها وبعدين أصبت بالحساسية الصدرية فمبقاش نافع، بس كل شوية أشمها أفتكر الندر اللي ندرتها له: دي ريحة الحياة الحلوة الجديدة اللي ح  أعيشها، معرفش فين وإمتى بس أكيد الشمعة دي ح تبقى مصاحباني.

أنا باجمّع الورق الملوّن والستيكي نوتس اللي شكلها غريب ومختلف والألوان.. عندي كرتونة صغيرة بس تقيلة فشخ مليانة ألوان كتيرة وبعضها مش بيلون حلو بس شكرًا لبينتريست اللي إداني استخدامات كتيرة وجميلة ليها، وباجمّع البلي الزجاجي الصغير -عرفت من رضوى عاشور إنه اسمه بنانير- ومشابك الغسيل اللي شكلها حلو، مش باشبك بيها الغسيل لأنها غالبًا ضعيفة وبتتكسر بسرعة، بالعب بيها.

كل فنجان أو مجّ من مجموعتي ليه تاريخ مختلف، في فترة سابقة كنت متحمسة جدًا إني أحكي قصة كل هذه الأشياء لأن غالبيتها جميل وبيبهجني. مفيش مجموعة أشياء على بعضها اشتريتها من مكان واحد: مش كل المجّات من آيكيا ولا اللاب توب بالكيبورد والماوس من كمبيومي ولا كل المونيكيرات من نفس المول، كل شيء ليه حكاية وذكرى حلوة أو أنا مع الزمن باخليها حلوة.

الشمعة بتاعت "الحياة الحلوة الجديدة" اتفتحت وريحتها مش قوية، بس لسه مش باشغلها، باشمها من وقت للتاني بس، لسه عايزة الحياة الحلوة تيجي بس بحاول أستمتع بوقتي هنا -البيت ده والبلد دي- بقدر الإمكان.

أنا حياتي مؤخرًا بقيت صعبة فشخ، مشاكل صحية ونفسية أكتر من اللازم، في أقل من أسبوع ح أشوف 4 دكاترة وعملت تحليلين واحتمال أعمل التالت لو فيه فلوس، إيديا بقا صعب فشخ أكتب بيهم وشكرًا إنهم كمّلوا التدوينة دي لحد دلوقتي، صعب جدًا أشتغل أو أقرا أو أقعد أو أمشي أو أنام، مفيش مزاج ولا صحة للخروج ومقابلة الناس، فا تقريبًا حياتي وقفت واتعطلت ومفيش مخرج.

بس أنا مصممة أجيب لها مخرج، بيني وبين نفسي قررت أمشي الطريق لآخره، ولو فيه أي وسيلة للتخفيف من الألم ح أتبعها، مش ح أسيب سكّة إلا لما أخبّط على بابها وأجربها. صحيح نقص الفلوس مرهق جدًا ومؤلم، لكن الحقيقة أمي بتحاول مساعدتي، وشكرًا جدًا ليها والله، وربنا يجازيها خير كتير.

لكن وسط كل ده، فيه متنفس إني أشوف فيلم حلو وانبسط بيه، ألوّن نص رسمة بس انبسط بيها، أكلم ناس حلوة قد البحر، وأشوفهم، آخد الدوا وآكل حلو وأحاول أعمل التمارين، وإمبارح حسيت بإحباط قوي فشخ لأن نتيجة التحليل مطلعتش ومعرفتش عندي إيه ومعاد الدكتور إتلغى، فا رحت مول قريب المشي جواه مش كتير، واشتريت 3 حلقان حتة واحدة من محل فتح جديد مكانش فيه مزيكا عالية ولا زحمة كتيرة، ودي معجزة عارفة إنها مش ح تتكرر.

قلت لنفسي وأنا مروّحة: "لو ح نكتئب يبقى نعملها وإحنا لابسين حلق حلو"، وناوية أنوّع ما بينهم وأنا رايحة للدكاترة، عشان منظري يوم الجمعة اللي فات -بعد ما صحيت بألم صارخ في ضهري لدرجة إني عيطت عشان معنديش مسدس في درج الكومودينو أطخّ نفسي بيه وأرتاح- وأنا رايحة للدكتور كان بئيس ومش عايزة ده يتكرر تاني.

عندي ناس حلوة جدًا وقواقع فيها صوت البحر وشمعة ونيسة وعياط كتير جدًا وزعيق في التليفون وفناجين من الشاي بالفراولة وزرعة نعناع كرمها باذخ وأخضرها مخجل من الجمال والوَنس والصحبة، وبارفانات ريحتها فريدة وبتتبخر بسرعة، وحلقان شيك بتقول إننا ح نزعل ونقع عادي، بس نعملها وإحنا واقفين.
.
شكرًا يا ستّ منى على رسايلك الحلوة وصوت المطرة :*
.
17-10-2018
.
-أما لهذا الألم من نهاية؟-



8 Oct 2018

توّحش العاشرة ليلًا

وصلت الساعة للعاشرة
ووصل معها العَدمَ:
ماذا صنعت في يومي؟
.
أستيقظ بعد الظهر
هلوعًا، كأن شيئًا عظيمًا فاتني
أراجع مع ذهني نصف الواعي، واجبات اليوم
لا شيء.
لا مواعيد ولا زيارات أطباء ولا مكالمات.
يظل هاتفي مغلقًا لما بعد العصر
وأنهض متحررة
من أثقال كوابيس وأعمال غير منتهية وموتى يرفضون الاعتراف بآخر بلواهم.
.
ينقضي نهاري القصير في ممارسة الخفّة:
أطير بحثًا عن مقالاتي الأخيرة المنشورة
متلصصة على معدّلات قراءتها.
هل تتحسّن كتابتي؟
هل تفيدني دواوين الشِعر المنثورة كأغلفة البسكويت، حولي
والأفلام التي أراجع ترجمتها في ذهني قبل استكمال المشهد؟
هل استراح ظهري، بعد محاولة تفكيك عضلاته المتيبسة فوق بعضها
وفردها، أمس، كي تخدمني عددًا أطول من السنوات؟
أتلصص على الهاتف
أنتظر مكالمة لا تأتي
بينما "ضلّ شوقي أنا، شلال"
و"وإيه العمل؟"
تلتهمان ما تبقّى من صبري.
.
يأتي العصر بلون برتقالي
فأُشرق:
أنسى كوب الشاي
وأسحب إحدى المجلات المركونة في الصالة
بانتظار تعافي يديّ لحملها وركنها أسفل السرير.
أقرأ إحداها،
ويدخل أخي من الخارج، أخبره بعد التحية بأن بطوط نجح في إخفاء مدينة كاملة
فيضحك وادعًا منهكًا
ويترك الأرز باللبن في المطبخ
ويغفو.
.
أحسّ بالدَخَنة قبل أن أشمها
يتسلل إليّ ضيق وعبثية:
حياتي هنا عبث
وجودي نفسه مشكوك في أمره،
لم أجددّ البطاقة الشخصية!
رسميًا: أنا منتهية الصلاحية
فقرات ظهري توافق السلطات الرأي
وجيبي الخاوي يقيم حفلًا للإعلان المبجّل.

أنتبه للدخان فأغلق النوافذ
أقرر القراءة لوديع سعادة
وتهنئة ابن أخي على نظارته الجديدة.
يلطمني وديع بقوة:
ما نوع الوحشية التي صادفته
لتجعله يكتب شِعرًا كهذا؟
من بعض الأبيات أخمّن أنه لبناني،
أرتاح قليلًا: ربما الحرب الأهلية؟
هل الحرب المبرر الوحيد لسطر كلمات معجونة بالوَحشة
كفجوة روح تتطلع نحونا في بلاهة،
بغير أمل في ترميمها؟
.
أترك الديوان وأحرق نصف قرص عجّة.
.
راقدة على ظهري، أخاطب نسخة صديقي المستكينة
داخل الجانب الأيمن، من الحوداية الشِمال، في عقلي.
أقول له تعبت من الوجود
تعبت من القلق حيال كل شيء
لنترك كل شيء ونتحدّث عن القلق!
رغم طرافة الجملة لم يضحك.
وافقني وهزّ رأسه
"نعم نعم، أريد أن أنام الآن"
وانقلب على جنبه وهمس: تصبحين على خير.
.
أتركه وأعود للديوان
يهاجمني كابوس هذا الصباح.
أنام بعد الفجر فتمرح كائنات الظلمة بدماغي
طويلًا
طويلًا.

يا سيّدي الفاضل:
أعرف أنك متّ
وأعرف أنك تعرف،
لا تزرني من فضلك، لا تجعلني أحاول إقناعك بالعودة
لا تتركني باكية
وتقول لي "معلش" وتصعد.
أستيقظ وفجوات روحي تتسع أكثر
وأعرض
وأقوى.
أهكذا يشعر وديع سعادة؟
أهكذا يكتب دواوينه، بعد الاستيقاظ مباشرة؟
.
تلتهم العاشرة ليلًا أي محاولات لصدّ الهجمات.
.
أي خطط؟
أنهزم فيها كلها
والجيب الخاوي يزعق:
"مش من هنا، مش من هنا"
لم يستطع أن يشتري جبنًا وبيضًا ومربى
لأجل إفطارنا صباحًا
أنا وصديقي داخل الحوداية الشمال،
فالقهوة توجع بقوة،
على غِيار الريق،
ولن يحميك من مرارتها
انحشارك داخل تلافيف رمادية مُنهَكة.
.
8-10-2018

5 Oct 2018

هناك شيء ما، حزين جدًا ومفتعل، ولا عقلاني وسخيف، في استخدام أفعل التفضيل في كل شيء. "أسعد كلب في العالم" و"أجمل وجبة في الكون" و"أكثر الناس مللًا في تاريخ البشرية"، و"المدينة الأولى من نوعها" و"أضخم مول في القارة" وغيرها.

المبالغة سخيفة: هل رأيت كل كلاب العالم؟ هل أكلت كل الوجبات في الكون، أو خرجت أصلًا من كوكبك البائس هذا لتجرّب أكلات الكواكب الأخرى؟ هل عاصرت كل الناس المملة على مر التاريخ البشري؟ كيف تجزم، إذًا، بمنتهى السهولة أن ما تراه أمامك أو تعايشه هو "أكثر" شيء من نوعه على الإطلاق؟

في هذا نوع من محو التجارب الإنسانية الأخرى، أو جبّها، أو التقليل من قيمتها. هل كلبك أسعد من كلبي؟ هل طبخك أحلى من طبخ صديقتي التي وقفت في هذا الحرّ 6 ساعات متواصلة للفّ ورق العنب، وتجهيز الوليمة؟ هل هي مباراة في ضخامة مباني المولات وعدد المحلات التي تستطيع استيعابها؟ هل كلكم صبية حمقى تتبارون أيكم يملك أضخم بلية أو أكبر سيارة بريموت كنترول؟

لكن المحزن في الأمر ليس فقط فقر اللغة، لكن الرغبة التعسة لأن تثبت لنفسك أنك تعيش "أسعد" لحظات حياتك. هل تخاف من الحزن أو التعاسة؟ هل تخاف من التعبير عن المشاعر، فتقول إن هذا الطعام جيّد جدًا، لكنك أكلت وستأكل أحسن منه أو أقل جودة أو أي طعام عاديّ لتسكت به جوعك؟ هل تخاف تكرار التجارب الجميلة؟ هل تخشى تكرار الأيام المملة والسيئة والقهوة الرديئة والكتب التافهة والكلاب البائسة، لدرجة أنك تعّظم، لحدّ الهيستيريا، أي شيء جيّد يحدث لك؟ هل حياتك بهذا الملل حقًا ولا تجد فيها منبعًا للسعادة؟

لو هذا صحيح، فتّش عن الخلل وأصلحه، وارحم اللغة التي توشك على قتل "أفعل" في الصفات، من الملل.
.
5-10-5018

4 Oct 2018

لديّ سفينة فضاء على مكتبي، وكعك بالشوكولاتة، وأصدقاء رائعون جدًا

انتهيت من خبز كعكة. كتبت هذه التدوينة في رأسي مباشرة قبل أن أنظر لهاتفي المحمول وأجد اللمبة الخضراء تومض، علامة وصول رسالة جديدة على الماسنجر، فتحوّلت بشكل درامي من تدوينة حزينة ومليئة بخيبة الأمل، إلى شيء أقل حزنًا وخيبة.

بشكل ما، صارت "عملت كيكة" إلى "خبزت كعكة". الحقيقة أنني لا أحب التقعر في التعريب. مالها الكيكة؟ والحقيقة الأخرى، أن يومي كان محبطًا للغاية، والمشاعر السيئة تغمره وتطفح من جوانبه، بداية من الكابوس الذي لا أذكره لكن يخيفني بشدة حتى الآن، مرورًا بمحاولة -للمرة الثانية- توضيب اللاب توب وحقيبتي ثم الخروج للعمل بأحد مساحات العمل المشترك، لكن لم أستطع بسبب انخفاض ضغطي المريع، نهاية بشجار عائلي عنيف.

نسيت، وأنا أنسى أكثر مما أشرب الماء، أنني لو بذلت مجهودًا عنيفًا في يوم، سأظل في الفراش ليومين قادمين بسبب انخفاض الضغط، حتى لو تناولت كل الأدوية والقهوة والكل كليلة. نتيجة ذلك، لم أستطع الخروج اليوم ولا الحفاظ على رأسي فوق كتفيّ، وليس فوق الوسادة.

أمس، حاولت الذهاب لأول ميعاد لديّ في العلاج الطبيعي. أخطأت مرتين: مرة حينما أسأت تقدير الوقت، فاستغرقت في الاستحمام فترة أطول من اللازم، والثانية حينما طلبت من أخي الصغير توصيلي.

ركبنا السيارة، أخطأ في طلعة الدائري فانحشرنا في زحام شديد الكآبة، فقط لنرجع لطريقنا. هنا، اكتشف أخي -طبعًا، ما لازم!- أن عداد البنزين يقترب من الصفر واللمبة مضاءة بأصفر متقطع ينذر بكارثة. استغرقنا نصف ساعة فقط لنخرج من الزحام ولنجد بنزينة على الدائري. ضاع عليّ الميعاد، اتصلت فأخبروني بأن التأخير ليس في صالحي، ولأحجز ميعادًا آخر.

بعدما أغلقت الخط، أخبرت أخي بأنني سأصمت قليلًا لأهضم إحباطي، لأنني لو تحدثت الآن سأقول أشياء تجرح. أردت الصراخ في وجهه أنه المخطئ، أخذ تفريعة خاطئة وهو الذي يقطع الدائري يوميًا في طريقه للكلية ولتوصيل أختي للعمل، ولم ينتبه لنفاد البنزين. كيف لا ينتبه لشيء مهم كهذا؟ كيف يسمح لنفسه؟

غير أني أدركت أن الخطأ يقع بالكامل عليّ، وأن الموقف سيمرّ وسينتهي، ما زلنا أحياء وقطعة واحدة كما يقول الإنجليز، لكن ما سأقوله سيظل في ذهنه حاضرًا ربما للأبد، وأنا لا أريده أن يتذكرني صارخة في وجهه غير قادرة على التحكم في مشاعري ولا التعامل مع إحباطي. بكيت في صمت وجففت دموعي، أردت أن أبدأ العلاج الطبيعي أمس لأن الألم أكبر من قدرتي على التحمل، لكن هذا ليس خطأه.

طلبت منه أن يذهب بي لآيكيا، لم أرد أن أعود للمنزل بكل كمية الإحباط تلك، ستخرج في وجه أمي على الأغلب.

وصلت، دعاني على الغداء، بمجرد جلوسنا صرنا نتحدث بطبيعية ونضحك أيضًا، أخذ يحكي لي قصصًا هبلة تمامًا ونضحك منها، ذهبت لماكينة القهوة ولم أفهم فيها شيئًا، تعاملت على ما قُسُم وعدت أحكي له ويسخر منّي، سخرية طفولية جدًا، ثم جاء بقطعة تشيز كيك وراح يتساءل عن سرّ تسميتها هكذا. هنا أعلنت أنني أخذت كفايتي من الهبل واسكت بقا يا ابني، ولحسن حظي وصلته مكالمة من أختي كي يوصلها للمنزل. تركني -الحمد لله!- ومضى.

فكّرت أنني لم استكشف آيكيا وحدي من قبل. من ساعة ما فتح فرعه في مصر، وأنا أذهب إليه مع آخرين، يصبغون اليوم بعصبيتهم وتعجّلهم، مرغمة أتبعهم للأماكن التي يريدون التسوّق فيها، بينما أنا لا أريد، ودائمًا ظهري يؤلمني، وخطوتي أبطأ من خطوتهم. فكّرت أن مكانًا لطيفًا مثله لا يستحق أن يحاط بكل تلك المشاعر السلبية! انبسطت للفرصة، ووضعت ميزانية صغيرة جدًا لا أتجاوزها، واتفقت مع نفسي أنني لن أشتري شيئًا لا أحتاج إليه.. عيب كبرنا خلاص على المسألة دي.

تجوّلت قليلًا في الدور العلوي، أطول من اللازم في الواقع كي أكتشف أنه كله للأثاث، والأشياء الحلوة الصغيرة التي أحبها في آيكيا موجودة بالأسفل! استغرق مني هذا الإدراك ساعتين، أجلس أكثر مما أمشي، سمعت فيها تسجيلات صوتية أرسلتها لي العزيزة جدًا منى، من بريطانيا، وكانت تتساءل عن الاحتباس الحراري في نفس الوقت الذي تخنقني فيه الرطوبة لأن التكييفات في المكان ليست قوية جدًا! لا يوجد وقت غير مناسب للحديث عن الاحتباس، في كل وقت نحن محبوسون أو نعاني من شيء ما مفرط الرداءة بسببه، بيتك ومطرحك يا روح أمك، خش اقعد رحنا كلنا في داهية خلاص.

نزلت للدور السفلي، تجوّلت قليلًا قبل أن أعلن لنفسي أن ظهري لم يعد يتحمّل. المشكلة أن أمامي طريق طويل حتى الكاشير، ثم الخروج والعودة للمنزل، وأنني أردت الذهاب للحمّام بشدة. وصلت لركن الإضاءة فتلهّيت عن ألم ظهري وساقي: لفت انتباهي مصباح مكتب صغير جدًا وأنيق. توّجهت إليه وعاينته من كل النواحي، ثم أعلنت لنفسي أنه مناسب لولا لونه: أبيض تقليدي جدًا وغير مبتكر، أو زهري فاقع لا يليق بفتيات الحضانة حتى. كان سعره مناسبًا إلى حدٍ ما، لكن اللون؟ أدرت ظهري له لأني لم أعد في الحضانة، وهنا رأيته.

مصباح خفيف جدًا، قبعة من البلاستيك ترتكز على 3 قوائم من البلاستيك أيضًا. قلت لنفسي إن شكله وحش جدًا وغير مبتكر، وإن جذبني فيه سعره: نصف ثمن المصباح الكلاسيكي الذي لا يجدون له ألوانًا ملائمة.

ذهبت لأجلس على مقربة، من الجميل أنهم يضعون مقاعد في كل مكان تقريبًا، هي للعرض وعليها السعر والمواصفات، لكن يمكنك بسهولة الجلوس عليها لترييح ظهرك مثلًا. أذكر أنني منذ عامين ذهبت لآيكيا مع أختي التي تركتني وذهبت لتبحث عن شيء ما، وأنا من إرهاقي جلست على سلّم صغير داخل أحد الحمّامات المعروضة. لمحت فتاة ترتدي تي شيرت آيكيا قادمة، فنهضت مرتبكة أداري أثر جريمتي. اقتربت مني مبتسمة وقالت "قمتي ليه؟ خليكي قاعدة، أجيب لك كرسي مريح أكتر؟" فشكرتها مرتبكة أكثر ومضت. سيظل هذا الموقف مطبوعًا بداخلي تحت عنوان "نستاهل من الحياة أكتر من كده والله يا روز."

استغليت فرصة جلوسي وفتحت الموبايل، كنت أحادث صديقنا ياسر، الذي أرهق أعصابي بأسئلة عجيبة ثم اكتشفت أن هذه هي طريقته في الهزار. كان يتحدث عن ابنته، زعيمة العصابتين ذات الخمس سنوات -البنت وكلتا العصابتين- عندما أغلقت الهاتف والتفتّ نحو المصباح. كان معلّقًا تحت لافتة تعلن سعره المخفّض المذهل، ورأيته: سفينة فضاء!

عدت له مجددًا، تأكدت من قوائمه، وجدتها بلاستيك جيّد، صالحة أكثر للتعامل معي أنا التي أسقط الأشياء دائمًا وكثيرًا، وأنها بشيء من التلوين والتزيين ستصبح سفينة فضاء حقيقية. أخذتها، وفي طريقي للخارج وجدت حمّامًا لطيفًا مختبئًا إلى جوار ركن النباتات، أخذت نبتة ظل لطيفة جدًا عندما خرجت منه، وذهبت لأحاسب. في طريق العودة سمعت 15 دقيقة من كتاب "ميثولوجيا أهل الشمال" بصوت نيل جايمان، وسرحت تمامًا لدرجة أنني خفت من الليل عندما ذكر "الأضواء الشمالية."

اليوم، وبعدما عجزت عن الخروج أو حتى إبقاء رأسي في وضع الجلوس، توجهت لمكتبي وفككت المصباح. حاولت تلوينه، وإن بحذر: لا أريد ألوانًا تثبت للأبد لأني أملّ بسرعة، أريد شيئًا سهل المحو لأرسم غيره. جرّبت كل الألوان، والمفاجأة: كلها سهلة المسح بأستيكة عادية! هنا رسمت كل شيء عليه، أخفيت الرسومات الأكثر جموحًا وصوّرت الجزء الرصين منه. جدير بالذِكر أنني علّقت عليه خيطًا من الخرز والفراشات والوردات الزجاجية، كنت لضمته من عدة سنوات ونسيته في قاع صندوق "الأعمال الفنية."

بعد شجار وصراخ، أدركت للمرة المليون أن لا مكان لي هنا، لا أحد سيتغير ولو أردت النجاة بحياتي فعلًا عليّ الرحيل. قلت لنفسي إن الأمر لم يعد يحتمل وعليّ العمل فعلًا، لا وقت لأضيعه مع الإحساس بخيبة الأمل وانخفاض الضغط وقلة القيمة وأنني لا شيء، على الدوام. لا وقت أضيعه لأن الحياة الحلوة تنتظرني خارج هذا البيت، وهذه البلد أيضًا، لكن تلك معركة أخرى.

في نفس اللحظة التي انتهيت فيها من تزيين المصباح، وصلتني رسالة من دعاء، صديقة قديمة وعزيزة جدًا. كنت أريد الاتفاق معها على ميعاد قريب، فقادنا الكلام للحديث عن أجسامنا المتعبة والمصابة وسيقاننا التي نعرج عليها، ثم فجأة بلا مقدمات قالت إنها تحبني جدًا، وإنها محظوظة جدًا أنني من دائرة معارفها القريبين.

لم أعرف بما أردّ. أردت أن أخبرها بأن، يا سبحان الله، نفس تلك الكلمات قلتها أول أمس لصديقة أخرى، طبيبة ومقرّبة لي جدًا، لا أعرف كيف سأوفيها حقها ولو كنت سأفعل أبدًا. والأكثر خطورة: كنت أشعر، قبل تلك الرسالة بخمس دقائق فقط، بأنني لا شيء ولن أعثر على الحبّ أبدًا، وفوق ذلك مفلسة.

ربما لن أتمكن من التعبير عن امتناني، لكني صنعت كيكة بالشوكولاتة، وسأقابل غدًا إن شاء الله أصدقاء رائعين، أخطط لأن أحكي لهم كل الأشياء المضحكة التي رأيتها أو فكّرت فيها -عندما ينخفض ضغطي تأتي لذهني أفكار وردود شديدة الغرابة- وأعرف تمامًا أن لديهم، في مساحاتهم الآمنة في منزلهم أو داخل قلوبهم، متسعًا هائلًا لحكاياتي الأخرى الأكثر كآبة وضعفًا ورغبة في طلب المساعدة.
.
روز
4-10-2018

30 Sep 2018

محاولات حثيثة لمواجهة الخوف

اعترفت لنفسي النهاردة الصبح إني خايفة.

بعد ما غسلت وشي وسناني، رجعت على سرير أخويا اللي بقيت محتلاه مؤخرًا، لأنه مريح أكتر من سريري، عشان آخد الدوا. بعد ما أخدته ريّحت لأن ضهري واجعني جدًا. كنت بافكّر إنه إذا كان "مشوار" الحمّام مرهق لضهري جدًا، يبقى أنا حالتي تعسة والأمر لله من قبل ومن بعد.

كنت بافكّر إن فيه جملة ناقصة، جملة ما اتقالتش، شيء استخبى. بعد برهة تركيز ومحاولة إني أجيب في دماغي الأحداث عشان أدوّر فين مكان الجملة المستخبية، اكتشفتها: إمبارح ونوبة الصداع النصفي بتضرب في نافوخي، وبتوجع فشخ، كنت خايفة.

يمكن ده أسوأ إحساس بعد ألم الصداع النصفي مباشرة. في البداية لما البرق بيشق دماغي، بالنص تمامًا، مفيش غير الألم. بعدها بينحسر شوية، من رحمة ربنا، وباخد الدوا، ومع بعض الهدوء والظلام الأمور بتهدا وتخف. بس إمبارح كنت برة، مفيش هدوء ولا ظلام. كنت خايفة جدًا.

معرفش حقيقي كنت خايفة من إيه. أنا كنت مغمضة عيني وماسكة دماغي ومتخشبة مش قادرة أتحرك، وكل الأصحاب حواليا بيتكلموا وبيرغوا. يمكن خفت إني أتنسى؟ معرفش والله. بس بعد فترة شاورت لشادي إنه يوطّي صوته شوية عشان الصداع يروح. سكتوا كلهم واتخضوا تقريبًا، أو هذا ما تصوّرته، فأنا خفت جدًا جدًا.

بعد ما أخدت الدوا والصداع قلّ شوية، ابتديت أتكلم معاهم. معظم الناس قامت مشيت إلا جمال وتامر. قعدنا نتكلم شوية، وجمال شرح لي فلسفة بيترسون. كان نص دماغي مش شغال وبالتالي مش فاهمة أوي هو بيتكلم عن إيه، بس فضلت أتكلم وأقول له يوّضح أكتر ويكمل كلامه. كنت خايفة من الصمت.

البرق رجع يشق دماغي تاني، سكتّ شوية، تامر قال لي غمضي عينك دقيقتين. قلت له طب عدّ لي! مينفعش دقيقتين و15 ثانية، لأ هما 120 ثانية بالضبط! عدّ لي!
بص للسما وقعد يدعي عليا :D
أنا فطست من الضحك ساعتها، بالرغم من إن دماغي واجعاني، بس ضحكت من رد فعله. الحقيقة أنا كنت خايفة أغمض عيني، فشخ.

كان ح يبقى سخيف ولا منطقي ومحرج جدًا لو كنت طلبت من حدّ إنه يمسك إيدي؟

الحقيقة إني باكره الأمراض والآلام، مش معتبراها ضعف، أنا بس باكره الألم واللي بيعمله فيا. نوبات الصداع النصفي لا يمكن التحكم فيها، وأي حاجة، فعليًا أي حاجة، ممكن تحفزّها. أنا أصريت نروح مكان بعيد، خارج القاهرة، عشان واسع وهادي والناس مش قاعدة فوق بعض زي كل حتة تانية. كان فيه اعتراضات قوية عشان بعيد، والحقيقة إن الاعتراضات دي تعبت روحي فعلًا، وكانت قبل الخروجة بيومين بس. لكن رغم تعب الروح فإحنا اتقابلنا وقعدنا وضحكنا فشخ وانبسطنا، وأكلنا كيك وساندوتشات خضار مشوي وحاجات دلع بقا. مش عايزة أتخيّل لو كنا قعدنا في أي مكان دوشة جدًا، أي كافيه بيصرّ على تشغيل مزيكا جوّه وهو ضيق أساسا والناس قاعدة على حجرنا والدوشة لا تحتمل، ودخان السجاير بيسعى حثيثًا إنه يقتل ما تبقى من قدرتي على التحمّل. مش عايزة أتخيّل.

كان فيه بنت صغيرة قاعدة معانا، لسه داخلة الجامعة مبقالهاش أسبوع. شافتني قبل كده، بس الحقيقة برضه محبيتش إنها تشوفني وأنا مرهقة جدًا كده ورجلي واجعاني وبامشي بالعافية، وكمان صداع؟ لأ كتير كده، برستيجي ما يسمحش.

بس الحقيقة التانية إني باهرب من الاعتراف بالخوف.

هو آخر إحساس بييجي لي بالليل وأول حاجة باحسها أول ما أصحى من النوم. بأخّر مرواحي للسرير قدر الإمكان لأني خايفة، مش عايزة أقوم من قدام الكمبيوتر أو التلفزيون لأني خايفة فشخ. باقول لنفسي إني المفروض أتعامل مع مشاعري أحسن من كده، أشوفها جاية منين وأعالجها، بقيت باعرف أكلّمني دلوقتي، وأقنعني بحاجات وأظبط الدنيا شوية. لكني باهرب، والهروب ده من أسوأ الأشياء وأحطّها في التعامل مع المشاعر، لأنه بيكبّرها، بيديها حجم أكبر بكتيييير مما لها، وبيبهدلني معاها.

أنا معرفش أنا خايفة من إيه، حقيقي. لما باحط السماعات الكبيرة فوق وداني، باسمع المزيكا بصوت مش عالي أوي، لكن أي صوت، ولو كان الحمامة برة الشباك، بيرعبني جدًا. ليه؟ إيه الذكرى المرتبطة عندي بالسماعات؟ معرفش. طب إيه اللي حصل؟ معرفش. طب أعمل إيه لمواجهتها؟ للأسف برضه معرفش.

إمبارح كنا بنتكلم عن الأدوية النفسية، اللي معنديش مشكلة دلوقتي في الكلام عنها أو اللي عملته فيا، لأني مبقيتش شايفة نفسي ضحية. بس جمال اللي أول مرة يقعد معايا رغم إنه يعرفني من سنين طويلة، كان في عينيه نظرة أسف أو إشفاق، اللي باكرهها جدًا. أنا مش زعلانة يا جمال إن كل ده حصل، رغم إن أحدها كان ح يقتلني فعلًا، بس تأثيراتها كلها راحت دلوقتي، ومبقيتش زعلانة.

Yet again, nothing is fun about them, at all.

بس اللي أعرفه إن التدوينة دي يمكن أول الطريق للمواجهة، إني باكتب وباعترف إنه موجود، باكتب على الملأ كمان ومعنديش مانع من كده. في "رسايل الأخوية" بيني وبين أصدقائي المقربين جدًا، كتبت لهم عنه، في أولها خالص، وبعد كده بطّلت لأني زهقت مش لأن الخوف مشي. لحد دلوقتي باصحى من النوم على مذبحة للمخدات: بانام وحواليا مخدات كتير لأن مفاصلي قررت إعلان العصيان، لكن باصحى وهما مرميين في كل حتة فوق وتحت وعلى سرير أختي أحيانًا! باشلّت جامد والكوابيس مش راحماني وبافتح عيني خايفة لا يكون كتبت حاجة تضايق حد قبل ما أنام، أو عملت مصيبة تعكّر حياة حد. باكلّم نفسي إني معملتش حاجة من هذا القبيل وحرام كده القلق ده، باقتنع فعلًا وباقوم أشوف الدنيا فيها إيه، والخوف بينزاح شوية.

أنا عايزة أواجهه عشان أخلص منه، عايزاه يمشي وما يجيش تاني، أو لما ييجي أكون مستعدة له وعارفة أهدّيه أو أصاحبه أو أقلل من فزعه، يمكن بالتبعية فزعي يقلّ.
.
روز
30-9-2018

24 Sep 2018

لم أَزل منصور ولم أُهزم

لأني مش ضحية ولا مهزومة ولا شايفة نفسي ضحية أو مهزومة، أنا منتصرة جدًا وتمامًا.
.
النهاردة، عملت أشعة / تصوير بالرنين المغناطيسي، ودي كانت أسوأ تجربة عدّيت بيها لحد دلوقتي.

مكنتش Claustrophobic أو خايفة من الأماكن المغلقة، ولا الصوت ضايقني. كان فيه خبطات هي اللي بتصدر الصوت ده، هي قوى الشر العظمى، أشباح كل الحاجات السيئة اللي عملتها، طلعت وهاجمتني.

كل خبطة كانت بتطرق بعنف على عمودي الفقري فا يتردد الألم في رجليا، مصدر القلق الأولي ومدعاة التصوير بالرنين. موجة ورا التانية، موجات من عنف متلاحق، الألم بيتصاعد مرة ورا التانية، ما بيخفش ولا بيهدا، بتتصاعد حدّته لمستويات ما تخيلتش إنها موجودة في الجسم البشري ولا إني أقدر أستحملها.

في البداية كنت حاسة بملل، حاولت أسلّي نفسي بإني أعدد الهوكوركسز اللي خبّى فولدمورت فيها قطع روحه، لاقيتني فاكراها كلها وقلتها بسرعة، بس لما جيت أفتكر هاري حطمّها بإيه معرفتش. وصلت في سرحاني لنهاية الجزء السادس، لما سنيب قتل دمبلدور، وهاري طلع يجري وراه وبيقول له "اقتلني أنا كمان" ولما مقتلوش صرخ فيه "إنتا جبان.. إنتا أجبن حد شفته في حياتي."

هاري كان وصل لمرحلة من الألم مش قادر يستحملها، بعد ما اتقتل دمبلدور قدامه ومقدرش يعمل له حاجة، كان عايز حياته تنتهي دلوقتي حالًا.

هنا انتبهت إلى إن تنفسي صعب شوية، وإن الألم أعنف من اللازم. حاولت أنظّم أنفاسي معرفتش، أسيطر طيب على مشاعري؟ معرفتش. افتكرت أول إمبارح، لما كنت باقول لطبيبي النفسي إنه كفاية كده، كفاية ع الحياة دي، حياة مفيهاش أي سبب للبهجة ولا أي داعي للاستمرار، مفيش أي معنى في إني أحاول تاني لأني ح أقع تاني وأتهزم تاني وأتضرب في مشاعري وأفكاري تاني، وأنا معادش فيا حيل. قلت له إن الحياة دي من أسوأ ما يمكن، أسوأ ما عدّى عليا ومش عايزاها أكتر من كده ومش عايزاها تاني.

الألم زاد، وابتديت أعيّط ببكا مكتوم. أي حركة كانت ح تبوّظ شغل الجهاز وممكن يتعاد التصوير تاني وأنا مش ناقصة ذرة ألم إضافية.

مقدار عنف الألم بقا لا يُحتمل، قعدت أقول لنفسي "ح أستحمل أكتر من كده إيه؟" ومكانش فيه ساعة ومعرفش فات قد إيه من النص ساعة تصوير. ابتدت مشاهد مظلمة جدًا تندفع من جوايا، حاجات مفتكرش إني عشتها وصرخات ما افتكرش إني سمعتها ولا أصدرتها قبل كده، طلعت من جوايا.. حتت ضلمة جدًا مكنتش أعرف إنها موجودة، فجأة احتلت الساحة، وهجمت عليا. خفت منها جدًا، خفت من كل السواد اللي متخزن جوّه عقلي ده، وقلت لنفسي إن استمرار العلاج النفسي مسألة حياة أو موت، لأني مش عايزة أشوف الصور دي تاني، عايزة أخرّجها وأطلق سراحها ومترجعليش تاني.
مع الدموع اللي خنقتني وموجات الألم العنيفة، وإيدي اللي ابتدت تترعش وأنفاسي القصيرة المتلاحقة، فكّرت "أنا عايزة أموت بقا، دلوقتي حالًا."

إيه الخرا ده؟ إيه اللي باقوله ده؟ أنا مش شخص مهزوم، أنا منتصرة، أنا مش ضحية. أنا بخوض كل تجاربي للآخر وبانتصر فيها حتى لو مجاتش النتيجة على هوايا، النصر ساعتها بيبقى إني خضتها للآخر وكملتها حتى مع كل الظروف اللي بتقول إني ح أفشل فيها. أنا مش فاشلة، أنا مش فاشلة، أنا مش فاشلة، أنا مش ضحية ولا مهزومة، أنا منتصرة جدًا.

مقداميش غير حلّين مفيش غيرهم: يا أصوّت دلوقتي وأقول لهم يقفلوا الجهاز والتجربة تفشل، التصوير يفشل ومعرفش إيه سبب الألم العنيف المفاجئ اللي بييجي لرجلي اليمين بشكل متكرر، وأروّح البيت مهزومة تمامًا وحاسة من جوايا إني فاشلة، يا أصبر وأستحمل وأكمل التجربة لنهايتها وأحصل على نتيجة التصوير وأعالج سبب الآلام والالتهابات وضعف العضلات وأستريح بقا. أنا مش ح أقعد القعدة دي تاني، يبقى أصبر وأسكت خالص لحد نهاية التصوير. أنا ما بنسحبش من معاركي، أنا باخوض معاركي الخاصة وبافضل فيها لنهايتها وأستحملها وأفضل أحارب، لأني مش مهزومة ولا انهزامية ولا فاشلة. أنا منتصرة.

عند الفكرة دي بالضبط. التصوير خلص.
.
نص ساعة من التعذيب النفسي والجسماني، نص ساعة من آلام ملهاش أول من آخر، لو كانت رجلي بتتخلع وأنا صاحية معتقدش إني كنت ح أحس بمقدار الوجع ده كله. يمكن دي مبالغة بس الألم ده متصورتش إنه موجود في البني آدمين أو ممكن يحصل.

إيمان قالت لي إنه مش معتاد إن التصوير بالرنين المغناطيسي يؤلم للدرجة دي، بالعكس المفروض إنه مش مؤلم خالص، ووعدتني تسأل وتبحث في الموضوع ده، وده يمكن أكتر شيء بحبه في إيمان بعد تعاطفها الإنساني معايا: إنها بتدوّر ع المعلومة.
أنا عايزة أعرف إيه المشكلة وأعالجها لأن الاستسلام مش خيار متاح ولا هو ممكن ولا ح يحصل، ببساطة.

د. هاني قال لي إنه طبيعي إني أحس بالتعاسة والكآبة دي كلها، اكتئابي مبرر تمامًا بل كان لازم يحصل وإلا يبقى فيه خلل. وقال إني "خضت حروبًا كثيرة" بالفصحى كده، وإني انتصرت في معظمها، وإن مشواري مش قليل ولا سهل، وإن، وده الأهم: مفيش قدامي خيار آخر إلا إني أكمل، للآخر.
.
أنا ممتنة جدًا للناس اللي ربنا حطهم في سكتّي.
.
النهاردة الصبح وأنا بافوق من النوم قلت لنفسي "أنا ربنا شال مني حاجات كتير، وابتلاني بظروف وناس وبلد في منتهى السوء، وعيوب خلقية مسببة لي مشاكل كبيرة جدًا، بس إداني في المقابل يمكن أعظم هدية في الوجود كله: الناس الحلوة."
نعمة الدكاترة اللي بتفهم وبتحس وبتحاول تخفف ألم المريض، والأصدقاء اللي بيسمعوا وبيتعاطفوا وبيفهموا جدًا، تفوق أي شيء آخر.

أوّل ما روّحت وأخدت المسكّن ودش ساخن جدًا عشان العضلات تفك، وهديت كتير، كلمت أصحابي. قلت لهم التجربة خلصت بس أنا حابة أحكي عنها، كمية الألم الرهيبة  دي مينفعش تمر من غير حكي. أنا كويسة جدًا دلوقتي، بالعكس قعدت أضحك معاهم جدًا ونتكلم في الكتب والترجمات السيئة وطرق صناعة القهوة بوشّ لأننا كبرنا بقا وعيب ميصحش لحد دلوقتي "أعمل" قهوة من غير وشّ. بس عشان أوصل لجزئية إني أكلمهم وأعيط شوية وأضحك شوية، اشتغلت على نفسي كتير جدًا. آمنت إن محدش ح ينقذني غيري وإن محدش ح يخوض معاركي أنا غيري وإني لازم أنتصر فيها، ولما انتصرت، حكيت لهم عنها.

أنا باسمح للضعف البشري اللي جوايا إنه يخرج، صحيح مش في كل وقت باعبّر عن مشاعري لكن بحاول ما أكتمش نفسي أو أبطّلها أو أقمعها، كفاية قمع بقا.. باكلمهم وأقول لهم "عندي تجربة وحشة حصلت لازم أحكيها، أنا كويسة جدًا دلوقتي وهيا خلصت وأنا في حالة جيدة جدًا، لكن لازم أحكيها." لأني لو سبتها جوايا ح تتراكم وتتحول لمناطق مظلمة جدًا تطلع لي في أوقات غير متوقعة ولا مرغوبة، وأنا مش عايزة كده، كفاية كوابيسي اللي بحاول أتصالح معاها.

 من أكتر المفاهيم اللي باحمد ربنا إن د. هاني وصلّها لي –بعد مجهود جبار- إني لازم يبقى لي شبكة دعم من ناس حلوة جدًا في حياتي، أقدر ألجأ لهم في وقت الحوجة، وعلى طول معاهم في أوقات الضحك والفرفشة والفرجة على الأفلام وعزومات الغدا وفناجين القهوة.
.
"قولوا للقلقان ما يقلقشي
دولة الأحلام ما تقلقشي."
.
اللي أنقذ هاري بوتر من موت محقق في كل مرة، مش بس قوة إرادته وانتصاره للخير ضد الشر، أصحابه. من غير أصحابه كان زمانه مات من أول مواجهة. بعد 19 سنة، هاري بيقول لابنه الصغير "إنتا واخد اسم سفيروس، وهو أشجع راجل شفته في حياتي."

لو كان سنيب شرير فعلًا أو سمح لحد تاني إنه يقتل هاري، ليلة مقتل دمبلدور، مكانش هاري كمّل الحكاية للآخر وانتصر على فولدمورت. مكانتش قصته ح تكتمل، وأنا مش عايزة قصتي تنقطع، مبحبش النهايات المبتورة، بالعكس، لازم نهاية تامة ومكتملة، ومنتصرة.
.
أيوة أنا باكتب الكلام ده عشان أمدح في نفسي، إني استحملت ألم لا يطاق، لآخره، عشان أحقق هدف قوي جدًا ومطلوب جدًا، واحتمال كبير يسهّل لي حياتي بعد كده. أنا شفت حاجات سيئة كتير وقلت لنفسي واتقال لي كلام سيئ جدًا، أكتر من اللازم، فمش أقل إني أمدح فيا وفي تجربتي وقوة تحمّلي ومقدرتي على تنظيم مشاعري وأفكاري بحيث ما تهزمنيش. أنا اتهزمت مرة ومش ح أسمح لنفسي إن ده يحصل تاني، Not if I can help it.

وأنا باحمد ربنا على نِعمه الحلوة، والناس الحلوة اللي مش بس بيساندوني، لأ دول كمان بيحاولوا قدر الإمكان إنهم يحسّنوا حياتهم في كل النواحي، لأن اللي عندهم معارك أكتر من اللازم بيخوضوها في نفس الوقت ما بيقدروش يسندوا الآخرين، ولا نفسهم في نهاية الأمر.

يمكن تجاربي مكررة وكلامي معاد وشبه اللي قبله، بس بالنسبة لي: دي موقعة جديدة أنا انتصرت فيها، ولازم أفخر بنفسي وأحتفل بيها.

"صوموا وقولوا آمنّا
كونوا قلوب مطمئنة
النصر فينا ومنّا."
فؤاد حدّاد – حيّوا أهل الشام.
.
روز
24-9-2018

20 Sep 2018

تدوينة غير دقيقة علميًا لا تعجب المحررين الدقيقين علميًا

أنا شخص لا يخرج كثيرًا، ولا يصلح للحياة في مصر.

تفسير الجملة الأولى هو نفسه الجملة الثانية، أي أنني لا أخرج كثيرًا لأن الحياة في مصر غير صالحة للبني آدمين، على إطلاقهم، إلا المنتفعين وولاد الوسخة. غالبًا ما يكون "المنتفعون" هم أنفسهم "ولاد الوسخة"، لكن، ما دمت صممت على كتابة تدوينة غير دقيقة وغير علمية، فلن ألتزم بأي قواعد تخضع للوصف العلمي الدقيق.

أنا لا أخرج كثيرًا لأني أعاني من القلق Anxiety، ومصابة للأسف بأحد اضطراباته الكبرى، الذي يضم -للأسف برضه- تحت عباءته آلاف الأعراض الصغرى والمزعجة جدًا جدًا، ولا يمكنني التحكم فيها.

فأنا مثلًا مصابة بالخوف من الأماكن المفتوحة Agoraphobia، رغم أن هذا كلام غير دقيق وغير علمي، لأنه لا يوجد اختبار محدد أو رسم مخ مثلًا، أو تجربة علمية تثبت إصابتي، أنا ككائن حيّ أريد الاحتفاظ بمخي بين أذنيّ أطول وقت ممكن، برُهاب الأماكن المفتوحة. وعلى الرغم من أني أعاني منه فعليًا، ولا أخرج من منزلي إلا نادرًا، بمعدّل لا يرضيني شخصيًا، فطالما لا يوجد تجربة أو اختبار، فلن يرضى المحرر العلمي الدقيق بهذا الوصف. نحمد الرب أنه على الأرجح لن يرى هذه التدوينة، وأنني في كل الأحوال، لن أتقاضى مالًا عليها.

ولأجل الحظ، ولحبّ مصر بنت الحبايب فيا، فإن "الأماكن المفتوحة" هي بالضرورة وبالحتمية أكثر الأماكن إثارة للقلق والمخاوف. في تعريفات الغربيين الكيوت غير المعجونين بالطين والخراء، يصفون الأماكن المفتوحة بالجبال مثلًا، أو السهول، أو لا مؤاخذة مصبات الأنهار.. عندهم طبيعة يا أخي! ويصفون كنوع من "تجنب المثيرات" بأن الواحد لا يطلع الجبال أو يزور السهول.. ما تزورش السهول! ما تزورش السهول! فاضيين لك؟ نسيب المماليك والإنجليز ونطلعّك جبال؟

لكن الأماكن المفتوحة قد تعني رصيف قهوة في حي كان راقيًا وح يشيلوه، اسمه مصر الجديدة.
للعزيز جدًا خالد أبو النجا فيلم اسمه "هليوبوليس"، صوّره في الكوربة ومصر الجديدة، أيام ما كان التصوير مسموحًا. الفيلم كئيب، وفيه هاني عادل الكئيب جدًا جدًا، وهذا سبب أدعى لعدم مشاهدته. لكني، وأنا جالسة على القهوة التي تحتل الرصيف، فهمت وتشبّعت بسبب الكآبة. يخرب بيتك يا مصر.

عندما نهضنا -أخيرًا!- للتمشية لأن ظهري أصرّ يصحّي الميتين، وانحرفنا في شارع جانبي أكثر هدوءًا، تذكرت على الفور لماذا لا أحب الجلوس على المقاهي. بسبب تربيتي المتحفظة، وهي بالضرورة الأكثر بضانًا، لم أجلس على مقهى قبل 2011، أي طوال 24 سنة من عمري. أما لماذا بعد 2011؟ لأني، على عكس الشائع تمامًا، استفدت جدًا والله من الثورة، لسبب مهم كالجحيم: طلع لي صوت، آه والله.

وعندما نبتت في حنجرتي اهتزازات، ببعض التحكم تتحوّل لكلمات، بدأت في التمرد، وعندما تمردت، قلت "وليه لأ؟" وبدأت تجريب الجلوس على المقاهي.

أما عن ماهية الأمر الأكثر بضانًا من التربية المتحفظة فهو الجلوس على المقاهي بالنسبة لشخص مصاب بالأجورافوبيا، وهذه المقارنة ليست دقيقة وبالقطع ليست علمية. فلو قلنا إن التربية المتحفظة هي السبب في خلق الخوف من التجارب الجديدة، فإن هذا لا يبرر الأجورافوبيا ما دام الأمر "جربته وعجبني أوي أوي" وبقالنا صوت بقا وبتاع. ولو قلت إن القلق أو رهاب الأماكن المفتوحة نتيجة للتربية المتحفظة فهذا لا يجعل الأول أكثر تبضينًا من الثانية، ولو تهت عزيزي القارئ فأنا أقصد هذا تمامًا، لأني أنوي والأمر لله كده أن أعمل محررة في القسم العلمي.

ولو افترضنا، بمدّ الخط على استقامته، أنني ما زلت أتحدث عن مقهى مصر الجديدة وعن النظرية التي توصلت إليها بعد 2011 عن الجلوس في المقاهي المنتشرة على الرصيف، فإنني مصيبة تمامًا. البيئة المفتوحة يا عزيزي، خطرة جدًا: تجلس متصوّرًا أنك في أمان الله، لكن لأنك على الرصيف -وفي مصر- فلا تأمن حدوث أي شيء. سيمرّ بك شحاذون كثر جدًا، لا تدري ماذا تفعل حيالهم، ولا تملك مالًا أساسًا وإلا كنت قعدت في كافيه، في التكييف. تذكّرت ما قرأته مرة، للصديق الجميل جدًا محمد عادل، أن في هولندا لا يوجد شحاذون. يوجد متشردون لكنهم مدمنين مثلًا للكحوليات أو المخدرات، ولهم مآوي تؤويهم كل ليلة وتقدم لهم طعامًا وعليهم الانصراف منها صباحًا. أما عن لماذا لا تحل الدولة مشكلتهم فهذا خارج نطاق معرفتي واهتمامي، أنا توقفت عند "لا يوجد شحاذون" وفقدت تركيزي تمامًا، مثلك.

وعلى نفس ميتين أم الرصيف، يمر مجذوب يقول أشياء لو ركّزت فيها ستجدها إما خطيرة جدًا أو أن رأسك مليئة بالأفلام أكثر من اللازم، خاصة أنه كان يردد أسماءً كانت في السلطة أو ما زالت، وهو سبب أدعى للهروب منه. لكن مروره مرعب، لا يمكنني إنكار هذا ولو ادعيت خلوّي من المشاعر، وهو أمر لا أدعيه لأني مصابة بالقلق، ولا يمكنني مناقضة المنطق العلمي أكثر من ذلك وإلا وصلت حدّ السفه.

أما ما حطمني أكثر من الضجيج، الذي أرهق أعصابي بالضرورة الحتمية الدقيقة جدًا، فكان وجود سيدة متقدمة في السن وتعجز عن الحركة وحدها. كانت جالسة على سلم العمارة التي تقع خلفي بالضبط، وتنادي على شخص ما ليساعدها على النهوض. كان صوتها مهزوزًا ومشروخًا وعاليًا جدًا ومؤلمًا جدًا. هناك شيء ما انشرخ داخلي لسماعه، خاصة أن هذا الشخص لم يجب على الفور، وأن صاحب المقهى وروّاده الدائمين على ما يبدو، أخذوا في السخرية منها. وسبب الشرخ أنني تذكرت جدتي، رحمها الله، في أيامها الأخيرة، وإحساس الذنب الذي ربما لم يبارحني حتى الآن ولا يبدو أنه سيفعل، رغم تأكيدي لنفسي أنني لم يكن بيدي شيء لأقدمه لها إلا فعلته.
هذه الذكرى، وهذا الربط، لم يأتيا لذهني على الفور، بل انزعجت وتشاغلت عنه وعن مشاعري، حتى تكرّم صديقي، الذي لن أقابله حتى يفنى البشر، وسمح لنا بأن نتمشى قليلًا.

بمجرد أن نهضنا وتركنا "منطقة الخطر"، ودخلنا في شوارع جانبية هادئة نسبيًا والله العظيم، تذكرت هذه النظرية. تذكرت أنني لو وضعت في مكان لا أستطيع فيه التحكم في عوامله الخارجية -أي خارجي أنا كشخص- أصاب بقلق عظيم، وأنني طيلة الجلسة كنت أخرج زجاجة المطهر الذي يعمل بلا صابون، والذي اشتريته خصيصًا لأن نسبته من الكحول عالية لأني ما بهزّرش والمصحف الشريف، أخرجه وأضع قليلًا على يدي وأفرك، أضع المزيد وأفرك، يجف فأتركه قليلًا ثم أضع ثانية وأفرك. كل هذا وأنا أتحدث مع صديقي أو أنصت لما يقوله، ثم انتبهت لما أفعل: يسيطر عليّ القلق بقسوة فتتحرك يداي لتهدئاني، ولما كنت مصابة بوسواس قهري متعلق بالنظافة -فيلمان في بروجرام واحد، اطلب أكتر أكيد فيه أكتر- فقد عمدت لتنظيف يدي بقوة، وغسل وجهي ورقبتي بالماء، ثم غسل يدي، ثم التجفيف بمنديل أظنه غير نظيف فأغسلهما بقوة وهكذا.

عندما فطنت لكل هذا، تطلعت إليه بكآبة وقلت "أتمنى لو شفيت من الوسواس القهري."
الحقيقة أنني أتمنى لو شفيت من كل هذا، من الاكتئاب والقلق واضطراب كرب ما بعد الصدمة. أتمنى لو نمت جيدًا وتركني الأرق، وأنه لو انزاح تتركني الكوابيس، وأنني لا أصبح وأنا مستيقظة عرضة لكل التصورات السيئة والنزاعات الداخلية العميقة، وأن أصدّق أن يدي نظيفة فعلًا والله العظيم، وأن أستطيع استخدام الوسادة الصغيرة التي أضعها خلف ظهري أمام المكتب، لأضعها خلف ظهري أيضًا لكن على السرير، دون أن أحارب نفسي وأحاول إقناعها إن "كده كتير والله" وأنها نظيفة، دون أن أغيّر أكياسها كل 3 أيام، وأغسل الوسادة نفسها كل فترة.

والحقيقة أنني، وقد كأبتك وتذكرت أحوالي فزادت كآبتي، لم أتمن أكثر من الآن، أن يكون عقلي قابلًا للتحكم فيه بواسطة الأدوية.
فأنا، يا عزيزي الذي ترك التدوينة ورحل، زيادة على كل هذا، لديّ مخ بتلافيف وخلايا عصبية شديدة البضان، لا تؤثر فيها الأدوية النفسية. لم أتمن أكثر من الآن، والتكرار يضعف التركيب، أن يكون هناك دواء آخذه فيقلّ كل هذا: غسل اليدين والعقل الذي لا يهدأ والتقاط أضعف الأصوات حولي والانزعاج منها وكراهية الروائح والخوف من منظر السماء ونصف القمر الذي كان مختبئًا خلف الشجر.

والدافع الآخر لارتكاب هذه الجريمة* أن لي عقلًا باطنًا يخزن كل شيء.

والعقل الباطن أو غير الواعي، الذي يثير حفيظة المحرر العلمي المهووس بالدقة، لأنه لا يمكن الاستدلال على وجوده: فتحت عقل واحد قبل كده ولاقيت فيه "عقل غير واعي"؟ له وزن بالجرام مثلًا أو الكيلو -في حالتي أنا، بالأطنان-؟ هل هناك ورقة علمية تثبت هذا الكلام أم أننا لا نعرف أصول الكتابة العلمية من الحديث حول البطيخ؟

هذا الجانب اللعوب الخبيث المراوغ من عقلي، يخزّن كل شيء، فيخرجه لي ويخرج لسانه -ويفعل أشياء أخرى عيب نذكرها لأن فيه بنات قاعدة- في صورة كوابيس مريعة، يمر منها بضع مشاهد فيستيقظ جزء من عقلي ويقول "هذا غير منطقي، لا بدّ أنني في كابوس" فأشعر أنا بالملل -داخل الكابوس- أن حياتي مملة فشخ لدرجة تكرار الكابوس وتكرار السيناريو والشخص الحكيم الذي يقول إن هذا كابوس. طبعًا بعده أستيقظ تمامًا وأفتح عيني لأقول لنفسي "بجد؟ Really؟" ولا أعود للنوم ثانية ولا أرتاح ولا جسمي يرتاح ولا حتى إنتا، إنتا ترتاح.

لأسباب كهذه كتابتي مبعثرة وغير منظمة كما قال لي صديقي اليوم، ولأسباب مماثلة تمامًا لا أخرج من البيت. لا أركب المترو، وعندما اضطررت اليوم بسبب عطل في الهاتف لركوب تاكسي، تاكسي عادي والله وبه عدّاد، أقنعت نفسي كثيرًا قبلها أن هذه هي الوسيلة الوحيدة للمرواح وأن بقائي في الشارع أكثر من هذا خطر. عندما وقفت على جانب الطريق لأوقف تاكسيًا، نبع صوت هلوع في رأسي ليقول "ولكننا لا نملك قوانين لنتبعها لنوقف تاكسيًا!" فقلت له أنني سأوكد على السائق أن يشغل العدّاد، حلو كده؟

سيخرج الصوت الهلوع عندما أضع رأسي على الوسادة، وسينكتم نَفَسي أكثر مما هو مكتوم بسبب إصابتي بالتهاب الشُعب بنت الوسخة الهوائية، وسأحلم بمتروهات مائعة تخرج من أنفاق مظلمة لتجري وراء بعضها وتجري ورائي، لكن الكابوس سيطول هذه المرة قبل أن يخرج لي الصوت الحكيم الملول ليذكّرني بأن أستيقظ الآن، لأن حياتي لا تحتمل المزيد من الملل.

وهذه الأصوات، يا عزيزي المكمل حتى النهاية، ليس لها كيانات واضحة ولا بطاقات تحديد هوية، ولا يمكنها استخراج جواز سفر أو الوقوف على الحدود مطالبة بحق العبور أو في طابور سفارة لرؤية ابن سيتزوّج قريبًا. هذه الأصوات مائعة تمامًا وداخل رأسي وحده، وبهذا تضعني في موقف محرج للغاية وسخيف حينما أحاول تفسيرها بأشياء علمية دقيقة، لها أوراق بحثية تدلّ "على الكلام ده".

_____________
* ليس هنا دوافع ولا جرائم، لكني لم أعرف بما أبدأ الجملة.

عزيزتي معلومة الهوّية: الحياة معاكي، جميلة فشخ

بقالي فترة كبيرة باعاني. كنت باقول لنفسي كده، إمبارح باتفرج على التلفزيون لقيت أفلام لحاجات حلوة وحياة حلوة بتحصل في بلاد برة، فقلت لنف...