7 Jul 2019

Unpopular opinion 1:
عقلانيًا، المنتخب مخسرش عشان بيساند واحش متحرش. خسر عشان اللعيبة تعبانين -عيدان مكرونة سقيمة مصابة بشلل أطفال- ومبيعرفوش يلعبوا ومفيش خطة واضحة إلخ إلخ.
مساندة التحرش جريمة طبعًا، لكنها جريمة أخلاقية فا مردودها أخلاقي، ناس تكرههم أو تقاطعهم معاملتهم تتغير ليهم، إنما ملهاش مردود "واقعي" أو على الأرض، زي إن عربيته تفرقع مثلًا أو الكاوتش ينام أو الأسانسير يقع بيه إلخ.

فكرة رد الفعل الفوري، أو العقاب السريع، مرضية جدًا وبتخلي الواحد ينَبَسط كده إن "يااااه فيه عدل في الدنيا" ويقعد يقول مسم شفت شفت؟ عشان قلبي وربي غضبانين عليك.
بينما هو الحقيقة مش كده.. يا سلام لو كان كده!

من ساعة ما الأنبياء بطلوا خلاص ومبقاش فيه، العقاب اللحظي أو العقاب الأرضي مبقاش موجود. العقاب كله بقا مؤجل للآخرة. تعمل وحش في حق ربنا؟ استغفره فا يغفر لك. تعمل وحش في حق الناس وما تعتذرش وما ترجعلهمش حقوقهم؟ تعالى يا حلو بقا يوم القيامة ح تتلسوع لما تتمنى ترجع الدنيا ومتعملش اللي عملته ده.

دي فكرة مرعبة جدًا بس مرضية جدًا للي حقوقهم متّاكلة.
لو كانت الفكرة الأولانية "العقاب اللحظي" حقيقية وبتحصل، وقلبي لما يغضب عليك ح تتكعبل وإنتا نازل على السلم، تفسّر بإيه إن فيه طغاة ومرتشين وفاسدين وناس واكلة حقوق ناس، بينما الظالمين قاعدين متهنيين بينعموا بكل النعم، والمأكول حقوقهم مضطهدين وبيتعذبوا؟ ليه الطغاة ما وقعش بيهم الأسانسير وهما نازلين؟ ليه الظلمة بطنهم ما تتقفلش فجأة فا يتخنقوا بكل الأكل اللي أكلوه ويموتوا بقا ويريحونا؟

الإيمان بفكرة "العقاب اللحظي" مؤذية جدًا للي مؤمن بيها. لو حدّ مش عارف ياخد حقه ومضطهد لأبعد مدى، وبيتساءل "طب ليه ربنا ما يعاقبهمش؟" تساؤله ده ممكن يدخّله في حتت ضلمة كتير، وده مفزع ومؤلم. بينما الإيمان بـ"ربنا يوم القيامة ح ياخد لي حقي، وعلى الأرض أنا اللي لازم آخد حقي" مؤلمة برضه، بس فيها قدر أكبر من العدالة، وقدر أقل من الاتكالية على ربنا اللي كأنه ح يتدخل بعصا سحرية وح يشيل الظلم/الاضطهاد/الاحتباس الحراري/الغلاء/التضخم/مصاريف المدارس إلخ.

قياسًا على ده، اللي مؤمن ب"العقاب اللحظي" أو الدنيوي، سهل جدًا يؤمن إن المرض عقاب، وإن الفلوس القليلة -وكل مدى بتقللللللل وقيمتها بتتصفّر- عقاب، وتأخر الجواز/الإنجاب/الترقية/السفر إلخ عقاب. التسونامي عقاب، الزلازل/البراكين/غرق السفر/تحطم الطائرات عقاب. لا يا حبيبي مش عقاب، لما تعيا وبطنك توجعك، يا إما أكلت شيء ملوث يا إما ابتلاء، تصبر عليه تؤجر. خلصت. التسونامي بقا وبقية الظواهر الطبيعية، يا إما ابتلاء يا نتيجة صنع أيدينا بكل تلوث البيئة اللي عاملينه ده.
ربنا بيقول "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)" البقرة. مقالش نعاقبكم.


فكرة "اللي بيساندوا التحرش ما كسبوش البطولة الللااااااااه" فيها تشفي كده وانتقام جميل وحاجة كده آخر ألاجة، لكن لو استعملنا نفس طريقة التفكير والمنتخب كسب؟ هل كده "مساندي التحرش بيكسبوا إذن ربنا غير عادل؟" لأ طبعًا.

إننا نقعد مستنيين ربنا ييجي وينصر المظلومين ويشيل المظالم ويموّت الظلمة دي، فكرة لا ح تودي ولا ح تجيب، وأنا باقولها وأنا عارفة تمامًا إننا في بلد لا تسمح بمجرد الكلام مش "روح هات حقك"، فأنا مش بتعالى على الخلق والله، أنا مكوية بنفس النار، بس باقول يعني إن طريقة التفكير دي غلط، وحبيت أعمل نمرة برضه على الناس وأبيّن إني بافهم، وشكرًا والسلامو عليكم ورحمة الله ^_^
7-7-2019

4 Jul 2019

والغربة ليل بهتان

"أحلامي صبحت بور
ممنوع عليها الضيّ
لكني مش قلقان."
.
صديقي العزيز:
يقول د. أحمد في "اللغز وراء السطور" أن نكتب كل يوم. الحقيقة هي نصيحة قديمة: من يرد الكتابة عليه أن يكتب كل يوم ولو خواطره. شعرت به يخرج من الكتاب ليقول بصوته المرهق "اكتبي يا رزان ومتقرفنيش في عيشتي بقا." لذلك قررت الكتابة كل يوم، لحين إشعار آخر أو نفاد بطارية اللاب توب.

الغربة ليل بهتان فعلًا. أول وصولي هنا شعرت بأنني بهت تمامًا وفقدت لوني. ما لوني؟ قرأت تدوينة جميلة على تمبلر، تقول صاحبتها إن صديقتها رغد رحمها الله كانت تؤمن أن لكل شخص لون خاص، ينبعث من لون هالته. لا أعرف شيئًا عن هالتي، لكني أحب الأزرق، الكثير جدًا من الأزرق يبعث في روحي الإشراق، وهذه الجملة الأخيرة سيئة لحدّ الابتذال.

أوحشتني أمي أينعم، وأفتقدها فعلًا وأشعر بأن هذا كله غير عادل. لقد تجاوزت الستين، مكانها في بلدها تنعم بمناوشة أحفادها، لكنها لا تعرف الهدوء، من الطراز "الفرّاك" الذي ينام 5 ساعات فقط ويصحو شعلة من النشاط. حتى في مصر، استمرت في العمل بعد طلوعها على المعاش، لا يمكنها أن تجلس في البيت تفعل اللا شيء أو تهتم بالطبخ وصناعة المربى والمخللات. هي من سعت للسفر لأنها لا تريد أن تهدر وقتها في أي شيء غير مفيد. وليس لها سوى حفيد واحد على كل حال فلا يوجد من تناوشه سوانا ونحن قد كبرنا ودخل قلوبنا الوَهَن.. أنا مثلًا سكن قلبي الوهن جدًا، حتى لم أعد أعرف كيف يشعر المرء وهو شاب. ماذا يعني أن أكون صغيرة السنّ؟

لكنني لست على توافق معها.

بمجرد وصولي شعرت بذلك. حوائط باردة نزلت بقسوة فوق قلبي.. هل هكذا يشعر مَن لا يعرف "يوتنهايم" –من أساطير سادة الشمال- ودخلها صدفة؟ جدران أخرى بُنيت، فتقوقعت داخلي وظللت هناك. أعرف أنني سأظل هناك حتى سفري، وهذا يوجع قلبي جدًا، يا صديق.

على خلفية هاتفي رسمت لي صديقتي الجميلة شوري صورة "آيرون مان" أو توني ستارك، وكتبت أنا أسفلها "I love you 3000." كلما طالعتها أبتسم بامتنان، وأتذكر جملة صديقي جمال: "على راسي والله، كل آل ستارك، على راسي." اليوم مثلًا أنهيت فيلم "The Avengers, 2012" وبدأت في "Captain America" كنوع من الحنين للوطن أو الجذور. كنت أبحث حولي عمّن أشاركه افتتاني بروبرت داوني جونيور فلا أجد. المزيد من البرد.

متى احتلّت يوتنهايم الصحراء العربية؟

..
كان في ذهني كلام كثير أردت كتابته لكني نسيته الآن. فقط هناك فرحتي بأنني اشتريت "بيجاما" جديدة، أول مرة أفعلها منذ أكثر من 4-5 سنوات! قلت مرة للطبيب النفسي إن من هم في سني عادة يشترون ثيابًا جديدة على الأقل مرة كل موسم، يعني 3-4 مرات في السنة، ربما تقل إلى مرتين فقط بعد غلاء الأسعار والتعويم، لكني توقفت عن الشراء منذ سنوات، وهذا يوجع قلبي بعنف. من ناحية لا أجد مقاسات مناسبة لي في مصر، وهذا لا يمكنني فهمه لأن أغلب السكّان هناك يزيد مقاسهم على 46 بكثير، ومن ناحية أخرى لا أملك مالًا، على الدوام لا أملكه، وهذا يوجع قلبي بعنف أكثر.

لكني اليوم اشتريت بيجاما جديدة، لونها وردي أينعم لكن دعنا من هذه الشكليات، المهم أن شكلها يعجبني ومقاسي ومن القطن! هذا كل ما يهمّ الآن.

ولهذا أنا ممتنة.

تصبح على خير يا صديق، مؤقتًا الآن.

تحياتي
روز
4-7-2019

29 Jun 2019

وَحدة.. في قلبي وَحدة

نايمة إمبارح بافكّر “أنا بس مش عايزة أبقى موجودة.” صاحية النهاردة بافكّر “أنا بس مش عايزة أبقى موجودة.”

رحت أشوف أصحابي إمبارح، كنت مرهقة وتعبانة وخلصانة ومتنيلة بنيلة. وقفت على المحطة أستنى الأتوبيس. عامة كل ما آجي أركب لازم يتأخر، كل ما أخرج لازم يحصل حاجة. كنت حاطة مزيكا حلوة في الموبايل وفضلت أسمعها وأنا واقفة على المحطة. كنت واقفة لوحدي ومفيش حد تاني ح يركب غالبًا، والشمس غربت خلاص بس لسه السما فيها خليط من النور والظلمة. كنت واقفة حاطة إيدي في جيوب البنطلون وحاطة السماعات وباسمع مزيكا وباغالب دموعي، باغالب إحساسي إني ولا حاجة، وإني مش عايزة أبقى موجودة هنا، وإني متوترة فشخ ومش عايزة أكمّل في الحياة دي.

أنا مش عايزة أخرج أبقى مع حد، مش عايزة أشوف حد ومش عايزة أعيش مع حد. اللي زيي بيفضلوا لوحدهم آه، لحد ما يسمحوا لحدّ واحد بس، شخص واحد يخش جوه القوقعة بتاعتهم، يخش جوّة العالم الآمن بتاعهم ويبقى جزء من أمانهم وحياتهم، بيتجوزوه غالبًا.

ليا واحد صاحبي اعترف لي مرة، وإحنا مرهقين فشخ وبنتمشى في شوارع المعادي غير المرحّبة بنا، وقعدنا على دكّة البواب أسفل إحدى العمارات، قال لي إنه ما بيستريحش في المجموعات، لما بيقعد مع ناس كتير بيقفل منهم خالص، بيقلب شخص مهزار وبيتريق، وياما طالتني تريقته اللي جرحتني ومكنتش فاهمة هو بيعمل كده ليه مع إنه شخص لطيف وأنا بحبه فعلًا. قال لي إنه مش اجتماعي، وما بيستريحش غير لو شخص واحد بس موجود معاه في القعدة، غير كده بيتوتر ومبيعرفش يتعامل.

لما كنت عندهم في البيت بنحتفل بعيد ميلاد صاحبي المقرّب، هجمت عليا نوبة صداع نصفي. قلت له أنا تعبانة، قال لي خشي نامي جوة، اقفلي الباب عليكي وحاولي تنامي. قلت له أنا مبشوفكش خالص مبقعدش معاك، قال لي كلميني ونحدد معاد ونخرج سوا، متقلقيش، أنا آسف إننا مش بنمارس صداقتنا كما هو مطلوب. ضحكت منه ودخلت أحاول أنام فعلًا. القطة مخافتش مني ونامت عند رجليا، بالمناسبة.

صديقي ده اتجوز، دخّل البنت اللي بيحبها حيّزه الآمن، بقا بيقابل الناس وهي موجودة، وبرضه مبيدخلوش بيتهم ناس كتيرة، هو حد واحد بس في المرة، يقعدوا معاه ينبسطوا وبعدين يمشي، ويفضلوا كتير محدش يشوفهم ولا يشوفوا حد.

شادي كان بيقول لأحمد وأنا قاعدة إن الحياة دي قاسية أوي، ولازم لك رفيق حياة عشان تعرف تواجهها. شادي عايز أحمد يتجوز، عامة هو عنده رغبة عامة ومسيطرة إنه يصلّح حياة الناس: اللي ما اشتغلش يشتغل، اللي ما تجوزش يقعّده مع عرايس محتملين إلخ. ورغم إن الاتجاه ده خرا لأنه خسّره ناس كتيرة قبل كده، بس أنا اتلفت له كده وقلت له “أنا كمان محتاجة رفيق حياة.”

بقالي ييجي شهرين، من أول رمضان، وأنا تعبانة. عندي التهابات مستمرة في المعدة والأمعاء والجهاز التنفسي وحاجة كده غريبة اسمها الاثنا عشر، معرفش طلعت لي إمتى. شعور مستمر بالحرقان والصعبانيات والوحدة، وحدة في كل حتة وكل وقت: باروح للدكاترة لوحدي وبانزل أجيب الدوا لوحدي ومفيش أكل مناسب ليا فا عايشة على اللبن الرايب والرز البسمتي اللي مبعرفش أطبخه فا بيتعكّ مني. عامة بيتنا على طول مفيهوش أكل ودي مأساة أخرى شديدة الحزن والألم ومش لازم نتكلم فيها.

بعد العيد على طول طلعت لي مسألة عيني. حد يكتشف إن عنده قرنية مخروطية وهو معدّي التلاتين؟ مش عيب الكلام ده يا آنسة مش كبرنا بقا؟

بس واضح إنه لأ، مكبرناش بقا.

مشاوير لوحدي ودكاترة كتار وجُداد. وصلت لمستشفى عيون أول مرة أروحها عشان أعمل الأشعة. كل الناس جايين بأهاليهم كل الناس معاهم حد، ده عامل زحمة ودوشة آه والمصريين بطبعهم دوشجية فشخ ومعندهمش حس بالخصوصية، بس أنا كان نفسي حد يبقى جنبي، يشيل لي الشنطة حتى وأنا بالزق دقني في الجهاز والدكتورة بتعدّ لي 6 ثواني لحد ما أرمش. كانت لطيفة وطيّبة وعملية، حاطة كتاب جنبها، رواية تقريبًا، وفوقيها سلسلة مفاتيح العربية، وحجابها موضته قديمة، من ساعة ما أنا لبست حجاب في إعدادي. كل دي كانت مواضيع سهلة تتفتح ونتكلم وممكن نضحك، بس هيا مش فاضية، وأنا مبعرفش أتكلم مع أغراب، وخرجت من عندها حاسة بوحدة أكبر، بتجرح جوايا كأني لابسة حاجة صوف خشنة مضطرة لها عشان بردانة بس بتجرّح في قلبي فشخ، لدرجة غير معقولة ولا محتملة. لدرجة تنزع أي بقايا طيبة جوايا.

إحساس بالمرار مسيطر عليا لدرجة إني باكل حاجات حلوة كتير وطول الوقت، وعلى طول جعانة، طول الوقت جعانة. عندي علبة من الصاج صغيرة مرسوم عليها رجل الثلج وزينة الكريسماس، جبتها لنفسي مخصوص وقلت “عشان أحط فيها حاجاتي الحلوة” والمفروض أملاها طول الوقت بسكوت وشكولاتة وكل اللي بحبه، بس بانسى. ليه يا روز بتنسي؟ ليه مبتشرتيش لنفسك أكل؟ بانسى. أنا بس بانسى.

ليه بادفع تمن التركة اللي سببهالنا أبويا وأمي؟ وليه أنا المضرورة من كل ده، المفروض آخد بالي من إخواتي ولما حد يتعب أوديه للدكتور؟ ليه بيعتبروني أكتر حد لطيف في العيلة وباعامل مراتات إخواتي -وخطيبة أخويا الصغير المستقبلية- معاملة كويسة وعايزين يقعدوا معايا أكتر بينما أنا طول الوقت مرهقة وتعبانة ومش طايقة حد؟ ليه أنا في حياتي وحيدة فشخ، وجعانة على طول؟

ليه أنا مرهقة وطاقتي قليلة وتعبانة طول الوقت وعيانة وبانزل للدكاترة لوحدي؟

رحت عملت العملية مع صاحبي، وصاحبتي اتصلت بيا، وكلمت صديقي التالت بالليل، واتنين تانيين تاني يوم، وصديقة رابعة جات زارتني تالت يوم، وشفت صديقي المقرّب رابع يوم، وخامس يوم شفت أجمل بنت في الدنيا، هيا وبنتها، ورحت للدكتور النفساني، وباكلم صديقي الأولاني طول الوقت. وحيدة. طول الوقت وحيدة.

باحكي للدكتور عن العملية وملابساتها واللي حصل في البيت بسببهم وبسبب الحوار ده، وإزاي اتصرفت واتعاملت بقوة وجدعنة مع نفسي، إزاي باخد بالي من نفسي طول الوقت وباخد الدوا وباحطّ القطرات وبالبس هدوم خفيفة عشان الحر والرطوبة، وباروح للدكاترة متابعة وباحشي ضروسي المسوّسة لوحدي، وأرجع من عند دكتور السنان لوحدي، وفي الآخر انهرت عياط.

أنا تعبت من الحياة دي، مش عايزة أنتحر بس مش عايزة أبقى موجودة. أنا بس مش عايزة أبقى موجودة.

أنا كان نفسي في رفيق الحياة ده، قلت للدكتور “يعني هو ده أنسب وقت ليه، أنا بس كنت عايزة حدّ ييجي معايا وأنا بعمل الأشعات وباحشي ضرسي، ويشتري لي الدوا.” كان نفسي في حد أتحامى فيه، يبقى بيتي ليا لوحدي، جميل زي بيت صديقي اللي اتجوز صديقتي برضه، وحاطين زرع صغير أوي، نبتة، جوة برطمان ورابطينه بخيط دوبارة عاملين له فيونكة، وحاطينه تحت مصباح بيطلع ضوء أبيض. زرعة صغيرة أوي من نباتات الضل، في برطمان صغير، مركونة في المطبخ تحت المصباح. كان نفسي يبقى بيتي حلو كده وهادي وجميل، معايا حد باقابل الناس معاه، باقابل الحياة معاه، ونهوّنها على بعض.

أقولك؟ كان نفسي أبقى الزرعة دي: آخد مية ونور وأعيش شوية وبعد كده أمشي، وأتنسى.

.

روز

29-6-2019

9 Jun 2019

هل الكلاب الصغيرة تأكل الزبادي؟

أنا إمبارح سمعت خبر وحش أوي، دكتور أول مرة أتعامل معاه وقال لي احتمال يكون فيه مشكلة في العين ولازم أشعة. طبعًا بما إني أول مرة أسمع عن الموضوع فاتخضيت فشخ. قلت له أنا قلقانة قال لي متقلقيش. قلت له طب اكتب لي اسم البتاع ده بالإنجليزي عشان أقرا عنه، قال لي لما الأشعة تطلع ونعرف هو إيه بالضبط يبقى أديكي اسمه تقري عنه. ما التفتش خالص لحكاية إني قلقانة دي، وهو كان مهذب لكن الحقيقة نقص المعلومات رعبني.

لما خرجت من عنده كلمت نيفين قلت لها ح آجي لك، كانت الساعة 10 بالليل وهيا –وأنا الحقيقة- بننام بدري عشان أشغالنا أو ما أحاول أن أقوم به من أشغال. في السكّة كلمت شادي وحكيت له الموقف.

كنت مرعوبة وقلقانة وخايفة ومش على بعضي خالص، مش عارفة إيه ممكن يحصل. لما حكيت لشادي قال لي معلش، متقلقيش لأن مشاكل القرنية فعلًا أهون مشاكل العين، وآخرها إيه يعني؟ ح تعملي الليزك أو حتى زراعة قرنية جديدة، متقلقيش. قال لي إن توقّع الأسوأ وإيجاد حلول ليه بيفيد مع مرضى القلق، وأنا كنت متأكدة إنه صح بس الحقيقة معرفتش أمسح قلقي كله مرة واحدة، وإن اتطمنت جدًا جدًا من كلامه وطريقته في التعامل.

حكالي الليزك بيتعمل إزاي بما إنه عملها قبل كده، وقعدنا نهزّر دكاترة العيون بيقبضوا كام في الساعة الواحدة وأتجوز بقا دكتور عيون بما إن الحكاية فيها فلوس. في الآخر قال لي لو احتجتيني آجي معاكي قولي لي، وأول ما النتيجة تطلع بلغيني. وطمنيني على طول.

لما طلعت لنيفين كنت أهدى كتير. عامة في المشاكل الكبيرة مبعرفش أواجهها لوحدي، وطول قعدتي في بيت أمي خلّى قدرتي على المواجهة أضعف، حائط الصدّ بقا رخو. لما كنت قاعدة لوحدي كنت باترعب آه وأنهار وأقلق فشخ وأعيط وكل حاجة، بس باواجه كل المشاكل تقريبًا لوحدي، وده خلاني أقوى. شيء مؤلم إنك متقدرش تلاقي حد تتسند عليه عاطفيًا في البيت اللي إنتا عايش فيه، وفي نفس الوقت الانفصال عنهم شعوريًا وماديًا مهم جدًا ومفيد بس متعب فشخ. وأنا تعبت الحقيقة.

رحت لها وحكيت لها وحاولت أتماسك وما أنهارش. اكتشفت إننا مشفناش بعض طول رمضان وإنها كانت واحشاني جدًا قد البحر. رمضان السنة دي كانت متعب بطريقة لا توصف، متعب لدرجة إني لما فقت كده وبقيت أقدر أتحرك خارج حدود الكنبة أو السرير والحمّام، حسيّت إنه طوّل أوي وإني تعبت ومش عايزاه، ولما قالوا العيد مش بكرة انهرت وقعدت أعيّط. لما تيجي تسأل الناس صرفوا فلوسهم في إيه في رمضان أو عملوا إيه، ح يقولوا لك مشاوير وزيارات وطبخ وعزومات وفسح ومدارس العيال ولبس العيد، وأنا معنديش غير عيا وتعب وأدوية ونيلة وزيارات للدكاترة، وحقيقي زهقت من الشكوى.

قعدنا نتكلم كتير أنا ونيفين، اتبسطت من القعدة. اتعشينا وأكلنا شيبسي وشربت لبن بالموز، وحكيت لي عن شغلها وعن سفريتي الجديدة، وقالت لي أحاول انبسط قدر الإمكان. قلت لها إني حالفة أنبسط واللي ح ينكّد عليا ح أشقّه، محدش له حاجة عندي. أحيانًا بحس إني باكفّر عن ذنوبي اللي لسه معملتهاش وذنوب ناس تانية كتيرة، أنا لسه 32 سنة وكمية الأمراض والمتاعب دي كلها مش قادرة أصدقها. واجعالي قلبي.

لما نزلت من عندها شغلت مزيكا من الموبايل، وحطيت السماعات. جات "بسكاليا - راجح داوود" وبعدها "أجيلك من ورا الأحزان" لحميد وعلاء عبد الخالق اللي مرة كابتن أوبر اندهش فشخ إني أعرفه، شكلي صغيّر عامة وافتكرني 18 سنة وقال لي "مش معقول حد من جيلك يعرف الأستاذ علاء عبد الخالق!" وقعدت أضحك ومصححتلوش سنّي. بعدها على طول "خليك هنا خليك، بلاش تفارق" بصوت بليغ، بليغ بس، من غير أي مزيكا أو غيره. قلت ح أشتري زبادي عشان أصحى أفطر شوفان بالزبادي وأتشجّع أنزل أعمل الأشعة.

لقيت الجراء –الكلاب الصغيرة- اللي قدام عمارتنا عمالين يلعبوا في كوم الزبالة اللي جنب كشك الكهربا –دي مفارقة ملهاش لازمة، وخطر- وبيدوروا على حاجة ياكلوها. من ساعة ما واحد صاحبي جه يلعب معاهم وإحنا واقفين مستنيين أوبر عشان نروح لصديقنا التالت، وشافوني معاه، وهما معتبريني صاحبتهم. جريوا ناحيتي وقعدوا يهوهوا بصوت صغير، ولاحظت إن كذا حد فيهم رفيع جدًا لدرجة إن ضلوعه باينة. صعبوا عليا أوي.

عامة أنا عندي إحساس رهيب بالذنب مؤخرًا، كذا موقف حصلوا قدامي وما اتصرفتش فيهم صح وحاسة بحاجات وحشة من ساعتها. لما شفتهم قلت ح أشتري لهم زبادي.

أنا معرفش الكلاب بتاكل إيه، ومعرفش ح يحبوا الزبادي ولا لأ. بس أنا قلت لنفسي إن طول عمري دي حجّتي إني مأكلش الكلاب ولا القطط اللي في الشارع، وعمري ما دوّرت هما بياكلوا إيه وأحطهولهم! طب ما أجرب أحط لهم زبادي؟

سألت نفسي "هل إنتي عايزة تعملي ده بدافع من إحساسك بالذنب؟" لأن ده دافع وحش أوي، الشفقة عامة شيء خرا، حتى لو على كلاب صغيرة مشرّدة. نفسي ردّيت عليا "لأ، أنا عايزة أعمل شيء كويس، شيء يحسسني بالرضا عن نفسي عشان آه أنا أنانية، بس كمان أنا حاسة بحاجات سلبية وسيئة جدًا حاليًا، عايزة حاجة تبسطني. وكمان عايزة أسيب أثر كويس في هذا العالم، حتى لو الكلاب محبيتش الزبادي."

لما جبته وحاسبت الراجل عليه، فتحت لهم واحدة وحطيتها لهم في الأرض. جريوا ناحيتها وجربوها عجبتهم أوي. فتحت لهم واحدة تانية لأن، ليتس فيس إت، واحدة بس متكفيش ولو حباية ترمس جائعة. فجأة لقيتهم بيكتروا وجايين ناحيتي بيهوهوا وعايزين تاني وعايزين يلعبوا معايا! أنا اتخضيت بس مسكت أعصابي.

فتحت لهم واحدة تالتة وقلت مش مشكلة بقا إخواتي ياكلوا الزبادي المهم أنا آكل! حطيتها لهم في الأرض وطلعت على العمارة على طول، مجوش ورايا.

دي تاني مرة في حياتي أأكل كلاب أو أي حيوانات في الشارع مشرّدة. أول مرة كانت في دهب، لما سافرت لها هربًا من القاهرة وعيشتي المنيّلة بنيلة وسط أهلي. كان لازم أهرب، وكنت بحاول أخلق لنفسي حياة جديدة لأني زهقت من محاولاتي المتكررة للانتحار وكمان لقيت إن في الحياة حاجات حلوة فشخ لسه مجربتهاش، ده أنا لسه ما اتجوزتش يا عالم! ولا شفت جبال الألب ولا الأضواء القطبية "الأورورا" وفيه كمية أفلام خزعبلية منزّلاها لسه مشفتهاش وفيه أكل حلو فشخ لسه مجربتوش.. أسيب ده كله وأمشي؟ ده شيء مش في قاموسي على الإطلاق، الحقيقة يعني.

بس لما وصلت لقيت إني معرفتش أخلق لنفسي حياة جديدة. كانت لسه الأسعار زايدة جديد والإيجارات غليت جدًا وكمية مشاكل بالكوم، معرفتش أواجهها.

في آخر الأيام هناك، قبل ما أرجع القاهرة، وكلّي مرارة وإحباط، قعدت على البحر بعد العصر بشوية. كان معايا أكل اشتريته من سوق الجمعة اللي كان أول –وآخر- مرة أروحه كنوع من تقليل المصاريف. لما قعدت على الرملة قصاد الموج، جه كلبين ناحيتي، واحد فيهم قعد جنبي وباصص لي، والتاني قعد يلعب في البحر قصادي.

إديت لواحد فيهم أكل. أول مرة أعمل كده في حياتي كلها. فيما بعد باحكي لتامر وأنا مستغربة نفسي، قال لي طبيعي إني أستغرب نفسي لأن "إنتي مصرية عادية، اتولدتي لقيتي نفسك وسط محيط بيكره الكلاب وبيعاملهم وحش، طلعتي بقيتي كده" وانبسط جدًا من إني أكّلتهم. قلت له إني خفت منهم لأنهم تحمسوا فجأة وبعد ما أكلوا قعدوا عايزين يلعبوا ويتنططوا ويرشوا عليا مية، فا ضحك وقال لي ده الطبيعي بتاعهم.

تاني مرّة كانت إمبارح، بعد 3 سنين من تلك الواقعة، 3 سنين من المعيشة في القاهرة واحدة منهم في العبور –عمليًا هي القليوبية بس متدخلنيش في تفاصيل يا متحت. وأنا باقرّب منهم حسيت بهدوء غريب. عامة الدنيا بقيت أهدى بعد ما رمضان خلص، بس كمان الهدوء كان جوايا. الأصوات المفزوعة هديت كتير، حسيت بصفاء، ولولا خشيتي من الاتهام بالابتذال لقلت إني حسيت بسكون برضه، وراحة البال. بعد ما أكلتهم انبسطت على الآخر، وطلعت أخدت دش طويل وغسلت شعري –أخيرااااان! لقد هرمنا!- وعملت له حمام كريم وسكرانش وكل حاجة، تفاصيل الشعر الكيرلي دي مرهقة ومقرفة فشخ. نمت كويس.

صحيت مبسوطة، متدفية. قلبي من جوة كان متدفي. فطرت وشربت القهوة، ودلوقتي بازّق نفسي إني أنزل عشان أعمل الأشعة، وخايفة جدًا من نتيجتها، بس قلت مش عايزة أنزل قبل ما أقول لتامر ومصطفى إني أكّلت الكلاب الصغيرة إمبارح، ودي تاني مرة أعملها في حياتي.
.
روز

9-6-2019

31 May 2019

أشخاص لا يدري المرء كيف يعيش من دونهم


الفترة اللي فاتت كنت أنا وأقرب صديق ليا فاضيين نسبيًا، الشغل قليل يا إما متعذر، مكتئبين شويتين آه، بس قادرين نتعامل، بنخرج ونشوف بعض ونشوف الناس، مقيّفين حياتنا وحيّزاتنا –أعتقد ده جمع حيّز- على قد راحتنا، ما بنطلعش برة الحاجات اللي عارفينها.


في وسط حاجتنا وشغلنا وقلقنا ودماغنا، كنا بنتقابل ونتكلم ونضحك، أكتر واحد بيعرف يضحّكني وأكتر واحد لو اتصلت بيه بيردّ، ولو ملحقش المكالمة عشان مواعيد نومه الغريبة بيتصل تاني يوم. أنا فاكرة مرة الصيف اللي فات اتصلت يومين ورا بعض ما ردّش، اتصل بعدها بكذا يوم قال لي بصوت مزكوم "أنا بس باتكلم عشان أقولك إني لسه ما متّش. اقفلي بقا" وضحكنا بإرهاق. كنا مرهقين فشخ، وما زلنا، الصيف بيقتل أرواحنا قبل جسمنا وأعصابنا.

كنا عارفين نتكلم، عارف عني حاجات كتير أوي، وأعرف عنه برضه حاجات كتير. بيستريح في قعدته معايا، رجليه مثلًا مش بتتوتر ولا بتتهز بعصبية، مع ناس تانية –بلاحظها لما بنكون قاعدين في تجمعات كبيرة- رجله بتتهز لا إراديًا وبسرعة جدًا، أو بينسى نفسه ويقعد يقلّب السكّر في الشاي/القهوة كتير جدًا، الصوت اللي بينرفزني فشخ بما إني عندي قلق/أنكازيتي وكده. هو في المعتاد رغاي وبيتكلم بسرعة، بس لما بنقعد لوحدنا بيسكت أحيانًا، وبيسمعني.

أنا وهو عندنا خليط من الاكتئاب والقلق، وهو خليط ابن ستين وسخة، معاناة قذرة معرفش ح أخلص منها إمتى، ومش عايزة أتكلم عن الموضوع أكتر من كده لأني بازعل الحقيقة وأنا مش عايزة أزعل. صديقي بس مش واخد باله أوي من الموضوع، بينما أنا واعية بكل تصرفاتي وبكل أفكاري وبكل دوافعي وهواجسي ومشاعري، الوعي القوي جدًا ده عبء زائد، بيزوّد القلق، دايرة مفرغة أتمنى تتكسر قريّب. باحلل كل الأفكار والحاجات دي، لأني خايفة من الجنون.

الولد الجميل ده، اللي معتقدش إني ح أعرف أقول اسمه لظروف الخصوصية وهذه الأشياء، أكتر واحد بيعرف يهدّيني.

لما رحت المعرض وشفت حاجات ضايقتني، وقفلوا الحمّامات واتحطيت في موقف شديد السخافة، وطلعت جري على البوابة معيّطة، اتصلت بيه قلت له يقابلني. هدّاني وقال لي "دلوقتي تروّحي بيتكو تتصرفي" لأنه اتكسف يقول لي "خشي الحمام في بيتكو." لما جاتلي أول نوبة صداع نصفي، أول واحدة من سلسلة ما خلصتش وشكلها عمرها ما ح تخلص، كانت في عيد ميلاده، وفضل قاعد معايا لحد ما الدوا اشتغل –من حسن حظي ورحمة ربنا إني ماشية بشنطة الأدوية كلها- وكان قلقان بس بيخبّي قلقه، وركب معايا الباص مع إن ده مش اتجاهه أصلًا، وفضل قاعد يرغي برضه، ولما لاقاني باضحك أخد أنفاس عميقة كده وقال لي "أيوة، كده ابتديتي تفوقي أهو."

راح معايا المستشفى وسندني وأنا مروّحة، باكلمه في المكتبة أقول له على الرواية اللي بيزنّ عليا من ساعة ما عرفني إني أقراها، إنهم أعادوا طبعها واشتريتها، باقعد في ستاربكس اللي متعودين نقعد فيه كل ما بنتقابل، باقعد لوحدي أقرا وأسمع شوية مزيكا لحد ما ألاقي الدنيا دوشة أوي أقوم أمشي. لما كنت عايشة لوحدي كنت باتصل أسأله دي بنركبّها إزاي، وبندفع فاتورة المية فين. ولما سبت الشقة عيّطت له كتير فشخ، بعت له مرة تسجيل باشتكي له فيه وباعيط جامد، لأني ملقيتش شبكة أتصل بيه وأقول له، ومن ساعتها بابعت له تسجيلات كتيرة فيها حاجات مبهجة، كل ما تحصل حاجة حلوة أبعت له وصوتي مبسوط، كنوع من الاعتذار والتكفير عن الكآبة.

لما كان عندي في البيت مكانش بيطيق يفضل قاعد في الصالة/أوضة المكتب لوحده، كان بييجي ورايا المطبخ يكمل كلامه وأنا باعمل له القهوة أو الشاي أو باقطّع الكيكة، ويقف يغسل المواعين. أكتر مرة كنت عايزة أحضنه فيها لمّا من نفسه كده شمّر كمامه وغسل الحِلل اللي كانت بتتنقع في الحوض، وهو بيكمّل كلامه عن شيء مش فاكراه. لمّا كان بيطلع البلكونة عشان يشرب سيجارة، كنت باطلع معاه وأقف ورا الستارة الخارجية، لأن الناس تحت كانت بتغلّس علينا. مكنتش عايزة أقعد لوحدي وهو موجود.

أنا ليا أصدقاء كتير الحمد لله، والحقيقة هو كان سبب كبير ورا إن مجموعة صداقاتي تتوّسع، لأن الدكتور النفساني كان مبسوط إن ليا صديق مقرّب كده وقال لي إعملي كده بقا مع ناس كتير، خلّي عندك صداقات كتيرة.

بشكل ما كلنا بقينا عيلة، كل الأصدقاء دولت بيعرفوا بعض وبنخرج مع بعض وبنسند بعض، بنجيب لبعض كتب وبنروح مع بعض عند الدكاترة وبندفع فواتير الكهربا لبعض وبنعمل عيد ميلادات ضخمة فيها تورت أو متواضعة فيها قطعة كيك واحدة صغيرة، وبنتصوّر كتير جدًا، وبنتكلم وبنضحك كتير جدًا، وبنعيّط لبعض لما بنشبع. بس هو ح يفضل الشخص اللي لما أزعل أتصل بيه، لما أحس ببوادر نوبة فزع أسمع صوته في ودني "خدي نَفَس" بيقولها بقوة لأن الاستسلام عندي أسهل من إني أحاول آخد نَفَس عميق وأهدى. ح يفضل الدراع اللي باستأذنه إني أسند عليها كل ما تهدّني نوبة الصداع النصفي، ويأذن لي بكل طيبة قلب موجودة في الدنيا. ح يفضل أول واحد باجري عشان أتصل بيه أزعق وأتنطط "مقالي اتنشر مقالي اتنشر!" واحكي له بحماس على كل حاجة: من ساعة ما الفكرة جات في بالي وإزاي دوّرت على المواد وكتبتها في قد إيه وشربت إيه وأنا باكتبها، لحد ما سلّمتها واتنشرت، كل تفصيلة، معاه، مهمّة.

إمبارح الموقع اللي باكتب معاه ح يغيّروا عتبة، فا المفروض ننقل المقالات يدويًا. لقيت لي تدوينة قديمة نشرتها معاهم في شكل رسالة، كنت باتكلم فيها عنه، وكاتبة إنه لما بيرغي كتير فشخ كده، بيحكي عن حاجات طيّبة جدًا جدًا بتخليني أعرف آخد أنفاس عميقة. مفيش حاجة بتأثر فيا قد الطيبة ورقة القلب. لما قريت جزء من الرسالة دي تاني، حسيت إنه لسه فيه نفس الخصلة دي ما اتغيرتش: لسه رغّاي، وطيّب فشخ، ومهتم جدًا إننا كلنا نبقى كويسين وبخير، وبصحّة جيدة دايمًا.

النهاردة كنت ح أنهار، نوبة فزع جديدة بس المرة دي سبتهم ورحت قعدت لوحدي على جنب. أخد باله هو واتنين تانيين من أصدقائنا، بس ما علّقوش. فضلت قاعدة في مكان مفيهوش إضاءة عالية ولا دوشة خالص، حاطة السماعات في وداني باسمع مزيكا هادية وأغاني بتقول كلام حلو خالص أنا بحبه. بعد تلت ساعة هديت، وضربات قلبي أخدت رتم عادي، وكان لازم أرجع لمكانهم عشان آخد الدوا لأن بطني ابتدت تلسعني، لقيته بيتصل. أعتقد إن دي أكتر تفصيلة ريحّتني.

لمّينا حاجتنا كلنا، سبتهم يروحوا يتسحّروا برة وروّحت، قال لي "أول ما توصلي بس طمنينا عليكي." وأنا ممتنة قد البحر والله العظيم.

أنا معرفش القلق والتوتر دولت ح يخلصوا إمتى، ومعرفش صحّتي ح تتحسن إمتى، بس دي مش تدوينة باندب فيها على صحّتي البايظة. أنا جاية هنا مخصوص أمدح في الولد اللي بيتصرف عادي، بكل الأشياء والمعتقدات اللي شايفها صح والمفروض تتعمل، وبيخلق في سكّته دواير كتيرة فشخ وواسعة من الطيبة والجمال والامتنان والرقة وسعة الصدر. لأجل بني آدمين مثلك يا عزيزي، تستحق الحياة أن تُعاش والله العظيم.

الفترة اللي فاتت انشغلنا جدًا، وأنا عييت جدًا، وقلّت مقابلاتنا ومكالماتنا ونزولنا للسينما وتكديرنا لموظفي ستاربكس. أتمنى إن الدنيا ترجع تصالحنا تاني ونتقابل، ونقعد مع بعض أكتر.
.
روز

31-5-2019

22 May 2019

أشياء لا ينبغي أن نغفل عنها بسهولة

(1)
بعد تخرّجي مباشرة في الجامعة، وكان عمري عشرين عامًا، شاهدت فيلم "منزل البحيرة" الذي صدر في العام السابق على التخرّج. أوّل ما جذبني فيه عينا ساندرا بولوك في أول الفيلم، واللقطة مقرّبة عليهما بحيث تملآن الشاشة، وبهما حزن العالم كله. أعجبتني الأغنية المصاحبة، فبحثت عنها:
"In the silence of the garden
Moss arizing on the wind
And the beast is pondering love love love
'Till the rusty nail grow dim
I can't seem to make you mine
Through the long and lonely night
And I try so hard, darling
But the crowd pulled you away
Through the rivers and the rain
And the ivy coiled around my hand
So I lingered with the people
In the silent August glade
But the rain has brought the night
And the night has brought the rain."
The Clientele
وعرفت لماذا يملأ الحزن عيني الممثلة. لقد جذبها الحشد بعيدًا، عبر الأنهار والمطر، ونما شجر اللبلاب حول يدي المغنّي ليكبلهما، فلم يذهب وراءها. كنت أتساءل بحسرة حقيقية: كيف يمكنه أن يتركها تذهب؟ وما معنى أن يجذبها جموع الناس بعيدًا؟ لماذا لا يركض وراءها؟
يقول المغني "ولهذا أتسكع مع الناس، في المرج الهادئ لشهر أغسطس، لكن المطر أحضر الليل، والليل أحضر المطر." ثم تنتهي الأغنية.
ساعتها، كنت أشعر بالحزن فعلًا، وأفكّر بأن الولد في الأغنية لم يبذل جهدًا كافيًا للحصول على حبيبته، بل اكتفى بالتسكع و"استسلم". كنت غاضبة وحزينة فأُسقط مشاعري على كل ما أراه، شيء ما زلت أفعله حتى الآن.
الآن، وبعدما تخطيت الثلاثين بعامين، أعيد مشاهدة نفس الفيلم. أشعر أنه خفيف ربما أكثر من اللازم ويعتمد على الصدفة ولا يفسّر كيف بالضبط يتنقل عبر الزمن، ثم أقول لنفسي إنه لا يصنّف بالضبط ضمن الخيال العلمي، بل هو رومانسي أكثر، ولأستمتع بالفيلم بدلًا من تشغيل عقلي على الدوام كمروحة لا تكفّ عن الأزيز.
أسمع نفس كلمات الأغنية التي بتّ أحفظها من تكرار سماعها عبر كل تلك السنوات، بانقطاعات مختلفة –ما زلت أحتفظ بنفس مكتبة الأغاني منذ أول مرة جلست فيها إلى الكمبيوتر- فأتذكر مشاعري السابقة حيالها. أهز كتفيّ بخفة وأقول "تركها تذهب لأن هذه الأشياء تحدث. سينساها ربما، مثلما يفعل كل الناس ومثلما ستفعل هي، وسيقع في الحب مجددًا، لا مشكلة في ذلك." وأكمل عشائي أمامه، بحياد.
بداخلي جزء لا يريد تلك الفتاة صاحبة "هذه الأشياء تحدث" التي تشابه تمامًا "ح تتعلم مع الوقت تكمّل حياتك بشوية زعل صغيرين" التي قالها خالد لمجدي في فيلم "ميكروفون، 2010" فردّ عليه مجدي "إيه الخرا ده؟" بداخلي فتاة ملّت جدًا من كل هذه العقلانية، ولا تريد المزيد من الخراء، وترغب في عودة ولو جزء من حساسية ورهافة فتاة العشرين التي تحزن لعيني ساندرا بولوك في الفيلم.
.
(2)
منذ فترة طويلة، أحد أقرب أصدقائي لقلبي اعتاد على إخباري بالإحصائيات كلما تقابلنا. كنا نحرص على المقابلة على فترات متقاربة للمحافظة على جزء من سلامة عقلينا، فما بين سعيي المستمر في محاربة طواحين الهواء طاحونة ورا التانية، وكل ما أخشاه أن ينزل كل هذا على فاشوش، وذهابه للعمل وإخلاصه فيه، تصبح الحياة الاجتماعية الوسيلة التي يمكن للمرء فيها أن يكون عبيطًا كما يحلو له. نتقابل ونتحدث ونضحك ونحكي عن أشياء كئيبة ربما ثم نتحدث عن الكتب، ونضحك مجددًا، ثم يكلمني عن الإحصائيات.
أعرف أن الوضع في مصر مرعب، لكني لا أريد معرفة تفاصيله أو دقائقه. أنا نفسي أعاني من الحياة فيها وأدعو الله بكل قوّتي أن يسترها عليّ ويجعلني أهرب من هنا بأسرع وقت. كنت أوافقه في الكلام لأنني أعاني أنا أيضًا، وأعرف أنه على حق، لكني لم أنتبه لما نفعله.
لم أنتبه إلى أنه قلق أكثر من اللازم، لم أعرف أنه يخاف على أطفاله أصلًا إلا حينما كتبها مرة في معرض حديثه عن أحد الكتب التي قرأها. تصوّرت، بلا تبرير واضح، أن المرء لا يخاف على أولاده! ربما لأنني لم أنجب أو لأنني فقط، عندي قصور في كثير من التجارب الإنسانية بحكم محدودية حياتي، ولنعترف: بحكم ضيق أفقي واختصار رؤيتي على معاناتي الشخصية.
لم أعرف أن صديقي قلق جدًا إلا حينما أعلن مؤخرًا أنه مرهق، وأنه بحاجة لبعض العزلة. حينها شعرت أنا بالقلق عليه، ثم بالذنب.
كيف لم أنتبه لهذا؟ كيف لم أدرك أن هناك شيء ما ليس على ما يرام؟ والسؤال الأسوأ: هل هناك أمور أخرى لم أنتبه إليها، مع أصدقاء آخرين يهمني أمرهم بشدة؟ ما الذي أفعله دون أن أدري؟
في الأسبوع الماضي، رفعت رأسي فجأة من فوق موجة عنيفة لطمتني فكادت تغرقني، أنا التي أحاول أبدًا إبقاء رأسي فوق الماء وأنا لا أعرف السباحة. كانت موجة منحطّة من مرض وحرارة شديدة وظروف سيئة في المنزل وتعذّر الحصول على الدواء. كنت في أسوأ مشاعر ممكنة.
عندما رفعت رأسي أدركت: أنا مريضة قلق مزمن، ومعدلات قلقي تتزايد ولا تقل. أنا بحاجة للمساعدة.
مثلما حدث مع صديقي: لم أنتبه لما أفعل. لم تنبئني ضربات القلب السريعة ولا انقطاعات التنفس ولا ضيق الخُلق وسرعة الانفعال، لم أنتبه إلا حينما ضربني الخوف الغامر ثم الإحساس بأنني موشكة على الانهيار. ربما كان المرض والحمّى وسيلة جيدة للحصول على بعض الراحة، الحصول على إجازة مفتوحة من نفسي لأشاهد بعض الأفلام الجميلة وأنام طويلًا وعميقًا، وبعدما تعافيت قليلًا واستعدت صوتي تحدثت في الهاتف مع عدد من أصدقائي، أحدهم كان كعادته ثرثارًا، تحدث كثيرًا جدًا وهو يفعل شيئًا ما على الكمبيوتر بينما أنا ألوّن. وسط ثرثرته العملاقة تلك، قال أشياء في منتهى الطيبة والجمال. ليلتها، وكانت الوحيدة، نمت بعمق بالغ، وشعرت بالراحة.
لا نشعر بما نفعل أو يحدث لنا لكن علينا تحمّل تبعاته. بشكل ما هذا ليس عدلًا، لكن من قال إن الحياة عادلة؟
أعرف أنني بحاجة للمساعدة، أظن نفسي هركليز وبالغة القوة بينما أنا فقط بحاجة للمساعدة. أعرف كيف أطلبها وممن، وماذا عليّ بالضبط فعله، لكنني للآن لا أستطيع منع نفسي من القلق: هل هناك مَن نسيته؟
.
روز
22-5-2019

8 May 2019

أشياء غريبة تحدث لي



1-   من ضمنها، مثلًا، أنني نويت عنونة هذه التدوينة بـ"لا تقترب منّي،" ثم تذكرت أن لي تدوينة أخرى من زمن بعيد بنفس العنوان، وبآخر "لماذا يجب أن تقترب مني؟" ولمّا كنت ملولًا جدًا وعلى الدوام، فقررت وضع آخر غير مكرور ولا يشعرني بالزهق.

2-   لم أعد أحب محمد منير بنفس الرغبة والحماس السابقين، وهذا مزعج جدًا لي. لكن الأكثر إزعاجًا أمر تنبّهت له ظهرًا وأنا أستعد للخروج: لم أعد أبحث عن موسيقى لأنزّلها. توقفت عن الاستماع لأي شيء جديد، مكتبتي الموسيقية مليئة بأم كلثوم ومنير ومارسيل خليفة وأشياء متناثرة لكنها منذ قديم الأزل. شعرت بشيء من الحزن، ما زال مستمرًا معي، لأن قلبي توقف عن الدهشة، ولو حتى بأغانٍ جديدة أو صياعة موسيقية تلفت الانتباه.

3-   اشتريت اليوم كتابين جديدين، مترجمين ومن دار نشر عربية فكان سعرهما خرافيًا، لكني لم أكترث. كنت مرهقة ومفككة الأوصال وحزينة جدًا، فدخلت المكتبة مخصوص لأحصل على "حكايات بيدل الشاعر" بالإنجليزية، فلما رأيتهما ركنت أخانا الشاعر إلى جانب واشتريتهما. شعرت بأنني بحاجة للقراءة في موضوعيهما: أحدهما يتحدث عن النوم، كتبه طبيب متخصص في هذا المجال، والآخر فلسفي عنوانه "قلق السعي للمكانة"، وهو شيء أعاني منه بشدة وعنف صار لي زمن. أنوي تخصيص وقت لقراءتهما.
الغريب في الأمر أنني لا أشتري سوى الروايات، ونادرًا جدًا ما اشتريت "كتبًا" لا تحكي حكاية.

4-   يحكي شخص عن "بداخلنا قناديل صغيرة والليل كبير وموحش" فأشعر بنخر في قلبي. أتماهى معه. يضع خالد أبو النجا صورة لقصاصة ورق كتبها بخطه "إلى العالم الآخر حيث جاءت الروح ورحلت أرواح أحبابي هل لنا أن تحدثوني؟ وحشتوني" وكتب تحتها "عن حلمي بكم." ينخلع قلبي بعنف حتى أكاد أبكي في البنك، مشوار الصباح المقرف، بصوت عالٍ وتهانف. أصلًا كنت أبكي في حمام بيتنا لأني لا أريد النزول اليوم، فلما رأيت الصورة على تمبلر مسحت أنفي كثيرًا ثم أغلقت الهاتف تمامًا في محاولة مني للتماسك.
الغريب، أنني كلما تحدث شخص عن شيء أجد صدى له داخلي. فهل داخلي موحش ومظلم وبعيد وغارق وعميق ويرتجف من الوحدة، بحيث أكاد أتهاوى كلما قرأت شيئًا كهذا؟
ربما الإجابة "نعم،" وربما لهذا ذهبت للطبيب النفسي اليوم أشكو له من كل هذا، فقال أشياء عبقرية كعادته، ورجعت منتعشة من عنده، وخطط جديدة تتكوّن في رأسي.
لكن يظل داخلي ست ريفية مكحولة العينين وتربط رأسها بمنديل أزلي، وممتلئة قليلًا، تحمل قنديلًا وتمشي في مدقات ترابية متلمسة طريقها في الظلام، تسميه "عتمة" وتتظاهر بالشجاعة لأن جارتها التي تلد تحتاج إليها، بينما يكاد قلبها ينخلع خوفًا وشوقًا لأحبة غائبين ومرارًا، يشتكي الوحدة.

5-   أنني اعترفت لنفسي أخيرًا بأنني يجب أن أقرأ أكثر في مواضيع كذا وكذا، وهي اعتلالات أعاني منها، لأن معرفتي الشخصية التي تتناقص بنسياني الدائم، غير كافية. توقفت أخيرًا عن المكابرة.

6-   أنني بكيت اليوم وأنا أشاهد "فريندز،" في الحلقة التي يخون روس فيها ريتشل، بعدما طلبت منه "هدنة break" وعندما تعرف تصرّ على انفصالهما. كانت عدة حلقات مؤلمة، وأنا احتجت للبكاء.

7-   أنني حينما قلت لأحد أصدقائي "خالد وحشني جدًا رغم إننا عمرنا ما اتقابلنا" لم يسخر مني كعادته، بل ردّ بجدية "طبيعي،" فاستراحت عضلاتي وهدأ توترها.

8- أني لا أعرف لماذا يجب على شخص ما "ألا يقترب مني" لمجرد أنني أعاني من كل ما ذكرت عاليه، ولا لماذا كنت أريد كتابة هذه الجملة عنوانًا، أو لماذا أشعر بها من أصله.

وهذا يكفي. 8 أشياء ليست غريبة جدًا تحدث، وتدفعني للكتابة، وهذا عظيم ورائع.
.
"ولا
يا حبيبي لا
الفراق ده لا
شوف كام سنة من عمرنا
ضاعوا مننا
كام سنة؟"
بصوت بليغ حمدي
.
روز
8 مايو 2019

4 May 2019

عن الناس بتوع القوايم وعودة الناظر من أجازته الشتوية

النهاردة يوم مميز، فقلت لازم أكتب عنه.
.
مبدئيًا ولأني ح أنسى، فأنا الحقيقة أحب أحتفل معاكم -قرّاء المدونة، اللي باحس إني باخاطبهم بصيغة "Dear void" زي في فيلم "You've Got Mail" :D- ومع أصدقائي لما أشوف خلقهم إن شاء الله، بعودة السيد الناظر. ولمن لا يعرف، فإن الناظر، وهي ترجمة رديئة لـCommentator اللي هو كان زمان جدًا أيام شكسبير مثلًا، شغلانته بيعلّق على المسرحيات وكان دايمًا مكروه، فإن الناظر في حالتي بقا هو الشخص اللي جوة دماغي وبيصحّيني من الكوابيس.

بداية، أنا بيجيلي كوابيس كتير، وبداية برضه، ده أمر لا يمكن التحكم فيه، تقريبًا. ثانيًا، فيه شخص جوة دماغي بيصحيني كل شوية بصيحة "إصحي يا رزان ده كابوس!" أحيانًا بيزعق كده، وأغلب الوقت بيقعد يقول بملل "يا دي النيلة! تاني؟ إصحي يا رزان إصحي كفاية بقااااااااااع" وده أسلوبي عامة في الزعيق وأنا صاحية.

صديقي العزيز تامر بيقول لي إن ده منتشر عند الناس اللي عندهم رغبة عنيفة في التحكم -control freak بحسب تعبيراته الرقيقة- وقرأت أكتر من مرة إن فيه مستويات في الأحلام، وكلما زاد المرء تحذلقًا وتعقيدًا للأسف زادت أحلامه تعقيدًا برضه وتنييلًا بنيلة.
أنا باحمد ربنا على الناظر ده، جميل والله وبيصحيني. البديل إني أفضل في الكابوس للآخر وده شيء بشع ومقيت، لأن كوابيسي عايزة الحرق كده: مقرفة وبترعب وباصحى منها عايزة أهرب أو أموت عشان ما أشوفهاش تاني.

مؤخرًا للأسف غادرني الناظر. أنا زعّلتك في حاجة؟ صدر مني تعليق وحش ولا كلمة خارجة أذت شعورك؟ طب ده أنا نسمة، عمري طلبت منك إيجار ولا قلت لك ارحمني بقا من الطريقة المتعالية الزهقانة اللي طول الوقت بتكلمني بيها؟ قاعد واكل شارب نايم شغلانتك الوحيدة تفضل صاحي وأنا نايمة عشان تنتبه لي وتصحيني، حتى دي مش عاجبة اللي خلفوووووك لييييييييييييييه؟!

بس الحمد لله، نقدر نحتفل مع الجماهير الغفيرة بعودة حضرة الباشا سعادة الناظر ابن الكلب، وقد سجّل حضوره أمس وأنا نايمة باحلم حلم عادي ابتدى يتحوّل لشيء مزعج تمهيدًا للوصول للكابوس، لاقيته قاعد حاطط رجل على رجل في ركن الحلم العلوي الأيسر -التفاصيل دي مزعجة جدًا الحقيقة :D- وهو بيقول لي بزهق "صيريسلي يا رزان؟ Seriously؟" والحقيقة التعليق ده ضحّكني جدًا، لدرجة إني صحيت فعلًا وفقت لمدة ثانيتين وأنا باضحك، قلت فيها "أنا صحيت أهو" وبعدها هوب! نمت تاني نومًا عميقًا بلا أحلام، ومريحًا جدًا الحقيقة الحمد لله :)))
.

رجوع والعود أحمد:
والنهاردة يوم مميز ويستحق التسجيل، لأن حصل فيه حاجتين.
الحاجة الأولى كانت شيء غريب ومدهش بالنسبة لي. أنا، بما إني شخص عايش جوة دماغه أكتر من اللازم الحقيقة، كنت عايزة بقالي وقت كتير جدًا إني أروح أفصّل هدوم جديدة. طول الوقت خايفة من الخطوة دي لأسباب لا أعرفها، والمصحف لا أعرفها. صحيح إني أحيان كتير باقول لنفسي "ح أخرج أهو" وبمجرد تشكّل الفكرة في دماغي بيصيبني رعب شديد جدًا بيخليني أتغطى في السرير وأنكمش على نفسي وأحاول أهدّيني، وده لأني مريضة قلق/أنكازيتي فا ده مفهوم ومتوقع -عندي إحساس كده إن أمراضي بتقرا كتب الطب من ورايا وفي الخباثة بتطبق كل حاجة بتقراها! عيب ده أنا حتى متعوب فيا :(((- لكن في أحيان أخرى الفكرة لا تتشكل داخل مخي وبالتالي مش بانفذها خالص. 

النهاردة قلت لنفسي "لاااااااااااا أنا ح أنزل أهو أروح للخيّاطة" مدفوعة بحماسة الحصول على مصروفي وربنا يخلي لنا ماما ويعمر لها بيتها آمييين. والخياطة، اللي طلعت "أتيليه" ولا إحنا ناس بلدي بقا؟ في مكان أقرب مما توقعت، والوصول إليها سهل الحمد لله، وما بتاخدش فلوس كتير. ها بقا ها؟ فضلت كل ده ما بروحش ليه يعني؟!!

لكن الشيء المدهش مش في ده كله، المدهش إني لما وصلت عندها لقيت في الشارع المقابل كشك جرايد وكتب قديمة.

وهذه الأشياء عزيزي القارئ المنتظر للدهشة، مبشوفهاش كتير. أنا واحدة معرفتي الوحيدة بالكتب تقريبًا هيا مكتبة الشروق وفيرجين في سيتي ستارز -ياعععع- بما إني مبخرجش إلا نادرًا. مبقدرش أروح سور الأزبكية ولا وسط البلد -بقيت محرّمات بالنسبة لي- ولا حتى المعادي، أنا أسهل لي أوصل إسكندرية أتفسح وأعدّي على شارع النبي دانيال أفلّيه كشك كشك، زي ما عملت الصيف اللي فات وطلعت بدرر جميلة فشخ، أسهل من إني أنزل وسط البلد وأتعكّ فيها!

لذا، وصلت، لقيت كشك الجرايد، دخلته وكإني بادخل عالم سحري.

كل المجازات بقا، كل التشبيهات، ابتداء من جوني ديب في فيلم "العثور على نيفرلاند" وهو بيفتح باب أوضته فا بيدخل على غابة وأشجار بينما مراته بتفتح باب أوضتها اللي جنبه على طول وبتدخل على سرير عادي ودولاب وتسريحة، ومرورًا بأليس اللي اتزحلقت في قلب الشجرة لأنها بتتبع السيد أرنب ومستنية تعرف حكايته، وانتهاءً بالبنت اللي كانت واخدة الجرايد والمجلات بجدية، لدرجة إنها كانت بتوصّي بتاع الجرايد يحجز لها الأعداد مخصوص، لأنها بتنزل متأخر عن 6 الصبح بتاعته.

لقيت في الفرشة، على الأرض، جرنان "أخبار الأدب." ذهلت، وتنّحت ومصدقتش إني باشوفها تاني، تاني.
وطّيت رغم ألم ركبتي الساحق، وجبت زي ما كنت باعمل زمان، تاني أو تالت نسخة من فوق لأن الأولانية دايمًا مترّبة. وطلعت.
النزلة والطلعة دي، وإني أحصل على أخبار الأدب في إيدي ونفس الجملة بترنّ جوة دماغي "دي بإتنين جنيه" رغم إنها بقيت بخمسة دلوقتي، رجعت لي كميات ساحقة من الذكريات:
2005 والإصدار التاني من جرنان الدستور، باص عم سيد والوقوف مخصوص عند بتاع الجرايد اللي بعد المطب، يوم الأربع، عشان أجيبها، وكل مرة أتحايل عليه وكل مرة يقول لي "بتقري الحاجات دي ليه" ويضحك ويقف لي عشان أطلع أجري أجيبها ونمشي. ضربة شمس ودعاء العدل وخالد كسّاب وطلال فيصل ود. أحمد خالد توفيق ورسوم فوّاز وناس تانية كتيرة نسيتهم للأسف، والإحساس بالانتماء لناس فاهمة دماغي وبتكتب لي وحابة إنها تكتب لي. الجرايد دي فضلت أكوّمها وكل جرنان أحسه كنز ثمين وهو كان كده فعلًا، لحد ما اتملى تحت سريري كله وماما اعترضت كذا مرة لأن الجرايد بتجيب فيران -وأنا عمري ما شفتها- رحت رميتها. أنا زعلانة جدًا على الحركة دي، جدًا فشخ يعني.

في كل معرض كتاب أيام أرض المعارض في مدينة نصر، كل مرة أعدّي على ميريت بتردد وخجل بالغ، أسأل على كتاب "ضربة شمس" وألاقيه بـ50، ثم 100، ثم 150 جنيه، ودايمًا معيش فلوس، ودايمًا ما أشتريهوش، وإحساس الخجل يتعاظم لأن "إزاي معييش 150 جنيه زيادة؟" وبعد كده بطّلت أدخل أسأل، والمعرض اتنقل التجمع، ومرحتش ميريت السنة دي. إحساس وحش إنك معكش فلوس كفاية تشتري بيها ذكرياتك، كل تجميعة ما كان تحت السرير وبيثير غضب أمي وزعيق أختي، كان ممكن أجيبه بـ100 جنيه في كتاب أنيق أحطه في المكتبة حيث لا تثير أرففها شهية الفئران، لكن العين تتطلع دائمًا لما تعجز المحفظة عن إدراكه.
.
بمناسبة ذكريات معرض الكتاب، هناك حكاية طريفة تخصني أنا ونيفين، إننا لما كنا في الكلية وما بعدها من السنوات كنا بنعمل قوايم -جمع قايمة/list- للكتب: الحاجات اللي عايزين نشتريها ومنين ودور النشر دي فين، قوايم مفصّلة بدقة وبنحرص عليها بدأب وإصرار بالغين. في مرة رحنا دار الشروق وسألنا على كتاب قديم تقريبًا فماكنش موجود، وبعدين البنت اللي على الكاشير بصيت لنا وضحكت، وقالت "إنتو بتوع كل سنة اللي معاكم قوايم وبتجيبوا كل اللي فيها؟" وضحكت بطريقة لطيفة جدًا كده، كإنها بتشجعنا على اللي بنعمله ومتعجبة منه في نفس الوقت. إحنا طبعًا عشان مهمين جدًا وواخدين نفسنا بجدية ومش فاضيين للكلام الفاضي بتاعها، ما رديناش عليها ومشينا :D
.
كان فيه في آخر شارعنا تقريبًا، عمو حسن بتاع الكتب.
كان كشك صغير جدًا، لونه أخضر غامق وجميل، وأنا حكيت الحكاية دي قبل كده. كان الكشك واقف فيه راجل عجوز جدًا، معرفش اسمه بس أنا سمّيته بيني وبين نفسي عمو حسن لسبب لا أعرفه. كان بيفتح الصبح بس وبيقفل على 12 الضهر، ما عدا يوم الجمعة بيفتح بعد الصلاة لمدة ساعتين مثلًا. كانت مواعيده صارمة ودقيقة ومفيهاش هزار، وأنا كنت في الأجازات الصيفية من الجامعة بحب أصحى متأخر، لكن يوم الجمعة ألبس وأطلع أجري قبل الصلاة عشان ألحقه، وأشتري: مجلة العربي الكويتية، أخبار الأدب، مجلة العربي الصغير لأخويا حمادة اللي اكتشفت بعد سنين طويلة من شرائها هيا وميكي إنه مبيحبش يقرا، مجلة ميكي إصدار دار الهلال، أهرام الجمعة -لأمي- أيام عبد الوهاب مطاوع الله يرحمه، أي إصدار للهيئة العامة لقصور الثقافة باجيبه من غير تفكير ولا حتى قراءة الغلاف الخلفي، نجيبه والراجل يصلّي وبعد كده نفكّر هل الكتاب ده حلو ولا لأ! أي إصدار للهيئة العامة للكتاب، وأي حاجة حلوة تانية تيجي في السكة."

كان دايمًا عمو حسن يبص لي بغضب "اتأخرتي!" وصوت الأذان ملعلع حوالينا من كل ناحية، ودايمًا يقول لي بعد ما اعتذر له، وبلهجة فيها مسحة حنان متداري "شيلت لك أخبار الأدب والعربي، أصلهم رجعوا إمبارح" وأنا أقعد أشكر فيه للصبح. كنت باخد معايا 15 جنيه وكانوا بيكفّوا، ومع الوقت بقوا 20، ثم توقفت عن الاستيقاظ مبكرًا، ثم قفل كشك عمو حسن.

دايمًا الناس عندهم أداء كده باحسهم بيغيظوني بيه: يقعدوا يفتكروا الأكشاك والمكتبات اللي كانوا بيجيبوا منها أعداد رجل المستحيل وما وراء الطبيعة، أو المغامرين الخمسة وميكي، ويبدّلوا الأعداد بربع جنيه ويقروا غيرها، وأنا أحس إن "إيه ده اشمعنى هماااا؟!" وأزعل بقا لأني اتربيت برة مصر ومكانش فيه الكلام ده.

اللي مخدتش بالي منه إن كان عندي روتيني: كشك عم حسن للجرايد والمجلات، وأعداد ما وراء الطبيعة وفانتازيا من مكتبة بانوراما في شارع أبو داوود الظاهري، أيام ما كان فيا صحة وبامشي، وكنا نروح أنا ونيفين للراجل ونتخانق "بس الأعداد الجديدة نزلت! والله قالوا على المنتدى -روايات- إنها نزلت!" والراجل لا يعرف المنتدى ولا يعرف مين المهاويس دولت، ويحلف إن مفيش حاجة جات من المؤسسة، وإحنا لولا بنات كنا سهرنا الليل بطوله مستنيين عربية "أخبار اليوم" تيجي لأنها دايمًا كانت بتيجي 12 بالليل، والمؤسسة بتوزع معاها. كان عندي روتين أهو محدش أحسن من حد -_-
.
المؤسي بشدة، إن كشك عم حسن قفل، مش عشان الراجل لم عزاله وتقاعد في جزر الهند الغربية مثلًا، لكن عشان مكتوب على الكشك بجدرانه الخضرا "مغلق لمخالفته حي مدينة نصر شرق" بالبوية البيضا وخط معفن زيهم.

أنا مش ح أتناقش هنا ولا حتى أتساءل هو كشك الجرايد مضايق اللي خلفوهم في إيه، أنا بس ح أزعل جدًا، لأني مؤخرًا وبعد ما توقفت عن المشي والذهاب ناحيته مطلقًا، وأنا معدية بالتاكسي مروّحة، لمحت الكشك في الضوء الشحيح وقت المغرب، وبابه مفتوح. لما بصيت باستغراب لقيت فيه شخص جوة الكشك اللي مفيهوش مية ولا نور وضيق جدًا، محاط بأكوام من أشياء يبدو إنها حاجياته الشخصية، ومجرد فاتح الباب عشان راجع من نصبة الشاي اللي جنبه. الشخص ده كان مديني ضهره، وداخل الكشك مضلم جدًا، وأنا محبيتش أبص أكتر من كده لأن قلبي وجعني جدًا. لو ده عمو حسن، فأنا زعلانة أشد ما يكون الزعل. افتكرت دلوقتي إني شفت في أكتر من مرة، زمان، إن داخل الكشك مكانش جرايد وكتب، بل سرير صغير ومرتبة وأشياء أخرى. مصر بتيجي عليا كتير وبتقمعني وبتدوس عليا بسبعين ألف جزمة بس أنا بحاول أتناسى عشان أعرف أعيش، لكن المرة دي الإصابة كانت شخصية جدًا وعنيفة، شيء مقدرش أغيّره ولا أعرف أنا ممكن أعمل إيه تجاهه. الوجع وحش أوي المرة دي.
.
لما اتنشر لي في جرنان السفير اللبناني كنت عايزة أروح لعمو حسن وأقول له بفخر "على فكرة انا اتنشر لي في جرنان لبناني كنت بتبيعه عندك قبل كده" رغم إنه مشافنيش بقاله ييجي 7 سنين أو أكتر. لما اتخرجت سألني اتخرجت من كلية إيه وقسم إيه، ونصحني أكمل قراية لأن "علام الكليات لوحده ما يكفيش" وأنا بصيت له بغضب إزاي تقول كده؟ إنتا مش عارف إن ألسن دي أحسن من بقية الكليات كلها؟ وإن كان طبعًا، أذان الجمعة مخليني أبلع لساني وأدفع له الفلوس وأطلع أجري. لما اتنشر لي كتابي الأولاني كنت عايزة أروح له وأسأله بخجل "لسه عندك إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة؟ ح تلاقي كتابي يا عمو وسطيهم" بس لما طلع كتابي التاني، الفكرة دي معديتش على دماغي من أصله.
.

التدوينة دي بقيت حزينة أوي وكئيبة وده مش حلو خالص، أنا مبحبش الحزن والكآبة رغم ما يبدو عليا يعني من ميل فطري طبيعي غريزي ناحيتهم، لدرجة إني، في حوار تخيلي بيني وبين صديقي المشاكس تامر، قلت له إني مسافرة "بكل شخصياتي، خصوصًا عبلة كامل!" وهو ضحك جوه دماغي وقعد يضرب كفًا بكف "لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنتي مسافرة تفرفشي ولا تنكدي على روحك؟"
على فكرة تامر عارف إن فيه نسخة مصغّرة منه جوة دماغي بترد عليا على طول، أنا قلت له، وقلت لبقية أصدقائي إن ليهم نسخ جوة مش سايبني في حالي :D بس متونسة بيهم فشخ، وعارفين إني باكلمهم طول الوقت، وبيوحشوني وباوحشهم، لما كلمتهم -الواقعيين- في التليفون قالوا لي كده.. وأنا إيديا وجعتني جدًا من النقر على لوحة المفاتيح -زهقت من تعبير "التكتكة ع الكيبورد -_-"- والساعة 1 ونص بالليل، ونسيت إيه هيا الحكاية التانية اللي كنت عايزة أحكيها، بس المدهش إني لقيت أخبار الأدب واشتريتها، وتصبحوا على خير :)
.
روز
4-5-2019

25 Apr 2019

Freefalling

شغلتني في الفترة السابقة أسئلة كثيرة جدًا: هل أنا في الزمن الصحيح؟ وماذا أفعل هنا؟

طوال الوقت، في الأونة الأخيرة، كلما أغلقت عيني أرى أنني أسقط. بنعومة وهدوء تمامًا، وعينان مغلقتان، أسقط. كأنما هناك قوة مضادة للجاذبية، أو مراوح عملاقة تأتي من الأسفل، تدفع بهوائها القوي لتمنع سقوطي المفاجئ وارتطامي العنيف بالأرض. لو ارتطمت فجأة، كما يحدث في عالم الواقع، لما كان هناك قصة أرويها. سينتهي كل شيء قبل تسجيله وإشهاد الزمان عليه.
.
أشعر بالإرهاق. هذا ما سيطر عليّ طوال العام الماضي كله تقريبًا، والعام السابق عليه، والأسبق، وهكذا. شعرت بأشياء كثيرة جدًا في تلك الأثناء، لكن ما يسيطر عليّ أكثر مما عداه، هو الإرهاق.

في الأسبوع الماضي أركض وبقوة للحاق بكل شيء آخر، لمحاولة فِعل ما أريد وينبغي عليّ ومطلوب مني فعله. أصاب في السكّة بنوبات متتالية وعنيفة من القلق والهلع ويتحوّل نومي لمزيج سيريالي أخضر يراه مدمنو حبوب الهلوسة، عدا أنني لم أطلبه. صارت محاولاتي للهدوء مستحيلة تقريبًا، كل محاولة لالتقاط أنفاس عميقة لتهدئة ضربات قلبي تؤدي للمزيد من القلق. في النهاية قررت جمع أشيائي والسفر.

سافرت من أجل بعض الهدوء، من أجل تعليم قلبي كيف يدق بطريقة إيقاعية منظّمة تبقيني حيّة وليس متوفزة على الدوام. أحاول التنفس بعمق، من ساعتها.

أغمض عيني مرة أخرى وأراني أسقط، بنعومة كأنما تحيطني وسائد من ريش.
.
أتساءل طيلة الوقت: هل أنا على حق؟ هل أنا مصيبة؟
في كل محاولاتي السابقة، والتالية حسبما أعلم، أقطع الصلات المؤذية. أضع الحدود: هذا يصح وهذا لا، لا تفعل هذا معي، لا تكلمني بهذه الطريقة، لا يمكنك أن تقلل من شأني بعد الآن. أحمي قلبي، أحاول قدر المستطاع وزيادة أن أحميه، فثمن إصلاحه مرتفع للغاية.
أعرف مثلًا أنني لا أريد السفر مع عائلتي، إلا في ظروف محددة وبشروط معيّنة. هناك حدود لما يمكنني تحمّله رغم أنني أتظاهر بالقوة طوال الوقت، وأعرف أن ظهري للحائط لذلك عليّ حمل درعي ومواصلة التقدّم. لا أريد أن أكون في مكان واحد، في ظل ظروف قوية وتحطّم الأعصاب، مع أشخاص لا يعرفون كيف يتحكمون في مشاعرهم أو يعبّرون عنها أو حتى يعرفون أن ما يحسّونه يسمّى "كذا وكذا" وعليهم التعبير عنه لحلّ المشكلة، لو كانت هناك واحدة. لا أريد المزيد من الانهيارات.
.
أتساءل: هل أنا في الزمن الصحيح؟

يقول آندي ميلر في كتابه "سنة القراءة الخطرة" أنه وجيله كانوا محظوظين جدًا، فقد ولدوا في زمان لم يكن التلفزيون منتشرًا ولا كانت القنوات الفضائية أو الإنترنت موجودين أصلًا، لذلك اعتمدوا على القراءة لتسلية الصغار، ثم كبر هؤلاء الأطفال ليصيروا كتّابًا ومحررين بدورهم. أتنهّد قليلًا ثم أتحسّر: آه، لقد كان طفلًا في السبعينات. ثم أتذكر: وطفولتي كذلك لم يكن بها إنترنت وتقريبًا لا فضائيات!

هل أنا في الزمان الصحيح؟
للنساء حق التصويت والتعليم، وهناك إنترنت يمكننا عبره الحصول على مزيد من العِلم. الكتب منتشرة وبقوة، وهناك حرية واضحة في ارتداء ما نريد ومقابلة مَن نبغي، مقارنة بالقرن التاسع عشر مثلًا. هل هناك أزمنة أحسن مما نعيشه؟ بالطبع. هل أتحسّر على أنني لست فيها؟ لا.
.
سفريتي الأخيرة، رغم أنها دامت 5 أيام بيومي السفر الطويل، جعلتني أدرك مساري في سياق زمني الخاص. طوال الوقت تحدث أشياء، ثم بعدما تنتهي، أدرك أنها "ياااه! أنا كبرت أوي ونضجت في فترة كذا وكذا!" ثم أتحسّر على انتهائها وأنني لم أدرك ذلك حينها. الآن أتوقف عن التحسّر.

أعرف أن أشياء عظيمة ستحدث، مصائب وتغيرات شخصية وعائلية وقومية، ستتغير للأسوأ. سو وات؟ المصائب دائمًا تقع، علينا فقط أن نعرف كيف سنتصرف حينها، ليس أكثر.

لكني، وبشكل أكثر يقينًا، أعرف أن أشياء جميلة جدًا جدًا، ومبهجة، على وشك الحدوث.
وفي هذه المرة، أعرف ذلك لأني مَن سيحاول، وبكل قوة ووسيلة متاحة في ظل "هذه الظروف العصيبة"، أن آتي بها. أنا من سيجعلها تظهر للوجود، وبإذن الله ستفعل. الله معي، الله راعيّ، الله ينظر إليّ.
.
مجازات السقوط مغمضة العينين، يمكنها أيضًا أن تُفسَّر على أنها تحليق ناعم. وصول للقاع ثم ضربه بقوة هائلة، وتصميم، كي نصل للسطح، ثم نكمل التحليق.
لهذا عندما شاهدت فيلم "كابتن مارفيل" في السينما، شعرت بالذهول: هذه أنا! كيف يمكن.. يعني أنا! لكني جالسة هنا، كيف يمكنني أن أكون على الشاشة في نفس الوقت؟! لكن، كيف..!
أومن عميقًا أنها تشبهني، رغم أنني لا أملك شعرًا أشقر طويلًا ولا ابتسامة ساحرة.

كل ضربة للقاع تشكّل مخزونًا جديدًا، يُضاف لما نملكه بالفعل من قوة، حتى نستطيع توجيهه لصدور الأزمات، وننتصر عليها، جولة بعد الأخرى.
.
روز
25-4-2019

Unpopular opinion 1: عقلانيًا، المنتخب مخسرش عشان بيساند واحش متحرش. خسر عشان اللعيبة تعبانين -عيدان مكرونة سقيمة مصابة بشلل أطفال- ومبيع...